خاص| المنشر الاخباري- 28 فبراير 2028، مع تصاعد وتيرة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، واستهداف الحرس الثوري الإيراني لسبع دول عربية في المنطقة خلال الساعات الماضية، بات السؤال الأكثر إلحاحا على طاولات صنع القرار في العواصم العربية والدولية.
هل نحن على أعتاب انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية شاملة تجد فيها الدول العربية نفسها طرفا مباشرا في مواجهة طهران؟
المشهد الراهن: سبع دول في مرمى الحرس الثوري
شكل استهداف الحرس الثوري الإيراني لسبع دول عربية في وقت واحد منعطفا خطيرا ينقل المواجهة من ثنائية أمريكية إسرائيلية إيرانية إلى صراع متعدد الأطراف بامتياز.
فهذا الاستهداف الواسع يكشف عن استراتيجية إيرانية واضحة المعالم تقوم على مبدأ “توزيع الجبهات” وإشعال محاور متعددة في آن واحد، بهدف إرباك المنظومة الأمنية الإقليمية وإجبار الجميع على الانحياز أو الرضوخ.
غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي في الوقت ذاته على مخاطر جسيمة على طهران نفسها، إذ إن استهداف دول عربية متعددة دفعة واحدة قد يدفعها نحو تنسيق مشترك غير مسبوق، وقد يمنح الولايات المتحدة الغطاء السياسي والأخلاقي الكافي لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية.
السيناريوهات المحتملة: بين الانخراط والحياد
السيناريو الأول: الانخراط العربي المحدود
يرى فريق من المحللين الاستراتيجيين أن الدول العربية المستهدفة ستكون أمام خيار شبه إجباري للرد، لا سيما إذا طالت الضربات الإيرانية أراضيها أو بنيتها التحتية أو قواتها العسكرية بصورة مباشرة.
وفي هذا السيناريو، يرجح أن يأخذ الرد العربي شكل عمليات دفاعية انتقائية منسقة مع واشنطن وتل أبيب، دون الانزلاق إلى حرب شاملة مفتوحة النهايات. دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات والأردن تمتلك منظومات دفاع جوي متطورة ولديها القدرة على الرد المحسوب دون التورط في مستنقع حرب برية مكلفة.
السيناريو الثاني: الحياد الحذر والدعم اللوجستي
تميل دول عربية عديدة تاريخيا نحو تجنب الانخراط المباشر في حروب المنطقة، مع تقديم دعم لوجستي واستخباراتي للحلفاء الغربيين بعيدا عن الأضواء.
وهذا السيناريو هو الأكثر رجاحة بالنسبة لدول كالكويت والبحرين اللتين تحتضنان قواعد عسكرية أمريكية ضخمة، حيث سيكون موقفهما مرتبطا في الغالب بالموقف الأمريكي وطبيعة التعليمات الصادرة عن واشنطن.
السيناريو الثالث: الانزلاق نحو حرب شاملة
يبقى هذا السيناريو الأشد كارثية والأقل ترجيحا في المرحلة الراهنة، غير أنه ليس مستبعدا كليا في ظل المعطيات الحالية.
فإذا ما نجح الحرس الثوري في توجيه ضربات مؤلمة لمصالح حيوية في دول خليجية كبرى، أو أقدم على تفعيل شبكات أذرعه المسلحة في اليمن والعراق ولبنان بصورة منسقة وواسعة، فقد تجد الدول العربية نفسها مجرورة إلى مواجهة لم تخطط لها ولم تعد لها العدة الكافية.
العوامل الحاسمة التي ستحدد مسار الأحداث
أولا: طبيعة الرد الإيراني على الاغتيالات
يعد اغتيال وزير الدفاع الإيراني وقائد الحرس الثوري ضربة تتجاوز في أثرها النفسي والمعنوي أي خسارة ميدانية، وقد تدفع القيادة الإيرانية في لحظة الصدمة والغضب نحو ردود غير محسوبة تتجاوز حدود العقلانية الاستراتيجية، وهو ما قد يشعل شرارة التصعيد الإقليمي الشامل.
ثانيا: الموقف الأمريكي من الانخراط العربي
تحتاج الدول العربية إلى ضمانات أمريكية صريحة وملزمة قبل أي انخراط عسكري مباشر. فالذاكرة الجماعية لهذه الدول لا تزال تحتفظ بصورة الانسحاب الأمريكي المتكرر من المنطقة حين تشتد الأمور، ومن ثم فإن أي التزام عربي بالمواجهة سيكون مشروطا بحجم الضمانات الأمريكية وطبيعتها.
ثالثا: مضيق هرمز ومعادلة النفط
مع إعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز، تجد الدول الخليجية المصدرة للنفط نفسها أمام خسائر اقتصادية هائلة قد تغير حسابات القرار السياسي جذريا. فحصار الصادرات النفطية يمس الشريان الحيوي لهذه الدول، وقد يدفعها نحو موقف أكثر حدة مما تفضل في ظروف عادية.
رابعا: الوضع الداخلي الإيراني
مع دعوة مجلس الأمن القومي الإيراني سكان طهران إلى مغادرة العاصمة، تبدو إيران في حالة من الارتباك الداخلي الحاد. والأنظمة التي تتزعزع ركائزها الداخلية كثيرا ما تلجأ إلى تصدير الأزمة خارجيا وتصعيد المواجهة لاستنهاض الرأي العام الداخلي، وهو ما يجعل المرحلة القادمة الأكثر خطورة وغموضا.
الموقف العربي الرسمي: بين الإدانة والتحفظ
تاريخيا، آثرت الدول العربية الكبرى التمسك بسياسة “الحياد الإيجابي” في المواجهات الكبرى، مع توفير الدعم اللوجستي للحلفاء الغربيين خلف الكواليس. ويبدو أن هذا النهج سيبقى السمة الغالبة في المرحلة الأولى على الأقل، ما لم تتعرض هذه الدول لاستفزاز مباشر يتجاوز عتبة الصبر الاستراتيجي.
غير أن ثمة متغيرا جديدا يعقد المعادلة التقليدية، وهو أن مشهد الإقليم اليوم يختلف جوهريا عن كل المشاهد السابقة؛ فالحرس الثوري يستهدف سبع دول في وقت واحد، ومضيق هرمز مغلق، والقيادة العسكرية الإيرانية تتهاوى، وطهران تخلي عاصمتها. هذا المشهد المركب لا تنفع معه الحسابات التقليدية ولا تصلح له السياسات المألوفة.
يبدو أن المنطقة تقف اليوم على حافة هاوية لم تشهدها منذ عقود. واحتمال الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة تنخرط فيها الدول العربية بصورة مباشرة لا يزال دون مستوى الاحتمال الأرجح في الساعات الراهنة، لكنه بات أقرب مما كان عليه قبل أيام. الساعات الـ 48 القادمة ستكون الفيصل الحقيقي في تحديد مسار الأحداث، وهي مرحلة يترقبها العالم بأسره بقلق عميق لا يكاد يخفيه أحد.










