شهدت الأوساط الاقتصادية والمالية في مصر حالة ترقّب واسعة بعد صدور مذكرة بحثية من بنك الاستثمار الأمريكي “مورجان ستانلي”، ترسم أربعة سيناريوهات محتملة لمستقبل الاقتصاد المصري وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، في ظل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وما تسببه من توترات جيوسياسية واسعة في المنطقة.
التقرير اكتسب أهمية خاصة لأنه يأتي في توقيت حساس تتعرض فيه الأسواق الناشئة لضغوط متزايدة من ارتفاع أسعار الطاقة، وتقلبات التدفقات الرأسمالية، وتبدل شهية المخاطر لدى المستثمرين الدوليين.
خلفية: حرب جيوسياسية تتحول لاختبار اقتصادي لمصريرى “مورجان ستانلي” أن التأثير المباشر للحرب على الاقتصاد المصري محدود من زاوية حجم التجارة البينية مع إيران، حيث لا تتجاوز حصة إيران نحو 0.01% من إجمالي واردات مصر، ما يعني أن القناة التجارية ليست هي محور الخطر الحقيقي.
لكن البنك يحذّر في المقابل من أن الارتفاع المحتمل في أسعار الطاقة، واضطرابات إمدادات الغاز، وتأثر الملاحة في الممرات الحيوية، يمكن أن تتحول إلى مصدر ضغط كبير على ميزان المدفوعات والموازنة العامة.
منذ اندلاع الحرب، سجلت سوق الصرف في مصر تحركات ملحوظة؛ إذ اقترب سعر الدولار من مستوى 50 جنيها قبل أن يتراجع قليلا، وسط زيادة قوية في أحجام التداول بالقطاع المصرفي، في إشارة إلى خروج جزئي لبعض الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، وزيادة الطلب على العملة الصعبة للتحوّط من المخاطر.
هذا المشهد، وفق محللين نقلت عنهم تقارير صحفية، عكس انتقال الصراع من كونه أزمة جيوسياسية بعيدة إلى كونه اختبارا مباشرا لقدرة الاقتصاد المصري على امتصاص موجة جديدة من الصدمات الخارجية.
أربعة سيناريوهات.. من التهدئة إلى التصعيد الواسع
حدّد “مورجان ستانلي” أربعة سيناريوهات رئيسية لمسار الحرب وتأثيرها على الاقتصاد المصري وسعر الدولار، تبدأ من تهدئة سريعة وتنتهي بتصعيد عسكري واسع النطاق.
في السيناريو الأول، يفترض البنك التوصل إلى وقف إطلاق نار سريع وعودة المسار الدبلوماسي، ما ينعكس إيجابا على شهية المخاطر تجاه الأسواق الناشئة، ويُترجم في صورة تحسن للجنيه أمام الدولار بنسبة تقارب 4–5%، وتراجع فروق العائد على السندات السيادية المصرية بنحو 20–30 نقطة أساس، مع عودة تدريجية لتدفقات استثمارات المحافظ.
هذا السيناريو يُبقي تأثير الحرب أقرب إلى “صدمة مؤقتة” أكثر منها تغييرا هيكليا في نظرة المستثمرين لمصر.
السيناريو الثاني يفترض ضربة عسكرية محدودة مع رد إيراني محسوب، بحيث يظل التصعيد محصورا زمنيا وجغرافيا دون توسع إقليمي كبير.
في هذا المسار، يتوقع “مورجان ستانلي” ارتفاعا طفيفا في سعر الدولار أمام الجنيه بنسبة تتراوح بين 1 و2%، مع اتساع محدود في فروق العائد بنحو 30–40 نقطة أساس، قبل أن تستقر الأوضاع نسبيا إذا ما تم احتواء التصعيد.
السيناريو الثالث يذهب إلى مستوى أعلى من التصعيد، عبر توجيه ضربات أوسع تؤدي إلى استمرار التوتر وارتفاع أكبر في أسعار النفط، وما يرافق ذلك من ضغوط على فاتورة الواردات من الطاقة.
هنا يحذر البنك من أن الجنيه قد يضعف بنسبة 3–4% أمام الدولار، مع اتساع فروق العائد على السندات بنحو 70–80 نقطة أساس، في ظل تزايد تخوّف المستثمرين من مخاطر التمويل وارتفاع تكلفة خدمة الدين.
أما السيناريو الرابع والأكثر سلبية، فيتصور تصعيدا عسكريا واسع النطاق، يمتد زمنيا وجغرافيا، بما يضع المنطقة بأكملها أمام موجة جديدة من عدم اليقين.
تحت هذا السيناريو، يتوقع “مورجان ستانلي” قفزة في فروق العائد على السندات المصرية بأكثر من 250 نقطة أساس، مع تراجع سعر صرف الجنيه بنسبة قد تصل إلى 8% أمام الدولار، مدفوعة بخروج أوسع لاستثمارات المحافظ، وضغوط على الاحتياطيات، وتشدد في الأوضاع التمويلية العالمية.
الطاقة، التضخم، وسعر الدولار: دائرة الضغط المتبادل
التقرير يشدد على أن نقطة الارتكاز الأساسية في قياس أثر الحرب على مصر تتمثل في مسار أسعار النفط والغاز، وما يعنيه ذلك لفاتورة الاستيراد والدعم، ومن ثم مستويات التضخم وسعر الصرف.
فمع افتراض بقاء أسعار خام برنت في نطاق 60–75 دولارا للبرميل خلال الربع الثاني من 2026، قد ترتفع فاتورة واردات الطاقة المصرية بما يتراوح بين 400 و600 مليون دولار، وهو ما يضيف عبئا إضافيا على ميزان المدفوعات.
ويقدّر “مورجان ستانلي” أن كل زيادة نسبتها 10% في أسعار الطاقة يمكن أن ترفع معدل التضخم السنوي بنحو نقطة مئوية واحدة، بما يضع مستهدفات السياسة النقدية تحت ضغط، ويفتح الباب أمام احتمالات لرفع أسعار الفائدة محليا لكبح موجة التضخم الجديدة ودعم استقرار سعر الصرف.
غير أن هذا الخيار يحمل في المقابل كلفة أعلى على الموازنة العامة، وعلى قدرة القطاع الخاص، خصوصا المشروعات الصغيرة والمتوسطة، على الحصول على التمويل اللازم للنمو والتوسع.
مصادر قوة وهشاشة: ما الذي يراهن عليه المستثمرون؟على الرغم من تصاعد المخاطر، يشير خبراء محليون ودوليون، بالإضافة إلى تحليلات سابقة للبنك نفسه، إلى أن الاقتصاد المصري لا يزال يمتلك عوامل قوة يمكنها امتصاص جزء من الصدمة، إذا ما جرى توظيفها بحنكة على مستوى السياسات.
من بين هذه العوامل: تحسن نسبي في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المدعوم من شركاء إقليميين، واستمرار برنامج الإصلاح بالتعاون مع المؤسسات الدولية، وانتعاش تدريجي في قطاعي السياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.
في المقابل، تبقى نقاط الهشاشة حاضرة؛ فاستمرار الضغوط على إيرادات قناة السويس، وارتفاع كلفة استيراد الطاقة، واحتمالات تأثر تحويلات العاملين في الخليج إذا امتدت تداعيات الحرب الاقتصادية إلى تلك الدول، كلها عوامل قد تزيد الحاجة إلى تمويل خارجي إضافي، وتضع سعر الدولار أمام اختبار مستمر.
وهنا يصبح طول أمد الحرب واتساع نطاقها المحدد الرئيسي لمدى اقتراب أي من سيناريوهات “مورجان ستانلي” الأربعة من التحقق.
ماذا تعني هذه السيناريوهات للمواطن والسوق؟
على مستوى المواطن العادي، تعني السيناريوهات الأكثر سلبية احتمالات لارتفاع جديد في الأسعار، خصوصا في ما يتعلق بالوقود والكهرباء والسلع المستوردة، بما يضغط على القوة الشرائية للأجور ويدفع الأسر لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
أما على مستوى الأسواق، فيعني ذلك تقلبات أعلى في سعر الصرف وسوق الدين، مع احتمال إعادة تسعير المخاطر على السندات المصرية وفق مدى نجاح الحكومة في تأمين احتياجاتها التمويلية، والحفاظ على استقرار سوق الصرف.
في النهاية، لا يقدم تقرير “مورجان ستانلي” تنبؤا واحدا بقدر ما يضع خريطة طريق لاحتمالات متعددة، ويختبر قدرة صانع السياسة في مصر على التحرك استباقيا لامتصاص الصدمات، عبر إدارة ذكية لملف الطاقة، وتعزيز الاحتياطيات، وجذب استثمارات طويلة الأجل، حتى يظل تأثير الحرب على إيران “عابرا” لا “مغيّرا لقواعد اللعبة” في اقتصاد يواصل طريقه الإصلاحي وسط بحر من التوترات العالمية.










