في خطوة تعكس طبيعة المرحلة الحساسة التي تمر بها إيران، أفادت وكالة مهر للأنباء بأن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أصدر حكما رسميا بتعيين الجنرال المخضرم محسن رضائي مستشارا عسكريا له في القيادة العليا للقوات المسلحة. ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش المنطقة توترا متصاعدا للأسبوع الثالث على التوالي نتيجة الضربات العسكرية المتبادلة بين إيران من جهة وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في ظل تحذيرات دولية من احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تؤثر على أمن الطاقة والملاحة الدولية.
ويمثل تعيين رضائي عودة أحد أبرز العقول العسكرية في تاريخ الجمهورية الإسلامية إلى قلب دوائر صنع القرار الأمني. فالرجل الذي ارتبط اسمه بإدارة سنوات الحرب الطويلة مع العراق، وببناء بنية الردع الصاروخي الإيراني، يعود اليوم إلى غرفة العمليات في لحظة توصف بأنها من أخطر اللحظات التي تواجهها طهران منذ عقود.
نشأة متواضعة وبدايات غير متوقعة
ولد محسن رضائي عام 1954 في مدينة مسجد سليمان بمحافظة خوزستان جنوب غرب إيران، لأسرة تنتمي إلى قبيلة اللور الرحل. وكان والده قد استقر في المدينة للعمل في شركة النفط، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة.
يروي رضائي في مذكراته أن طفولته اتسمت بالفقر والعمل المبكر؛ إذ كان يرعى الأغنام على جانب الطريق عندما التقى برجل غريب نزل من حافلة عابرة ونصحه بالالتحاق بالمدرسة. اصطحبه ذلك الرجل إلى مدرسة ليلية وسجله فيها، وهو الحدث الذي اعتبره رضائي لاحقا نقطة التحول الكبرى في حياته. حاول لاحقا العثور على الرجل الذي غير مصيره لكنه لم يتمكن من ذلك.
درس رضائي في البداية في المدارس الليلية، ثم انتقل لاحقا إلى التعليم النهاري بعد أن أثبت تفوقا دراسيا ملحوظا. ومع نهاية سنوات المراهقة بدأ نشاطه السياسي المناهض لنظام الشاه، لينضم إلى جماعة “المنصورون” التي خاضت كفاحا مسلحا ضد الحكم الملكي.
من الثورة إلى جهاز الاستخبارات
بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة روح الله الخميني، صعد نجم رضائي سريعا داخل المؤسسات الأمنية الجديدة. فقد شارك في تأسيس هياكل مبكرة داخل الحرس الثوري الإيراني، قبل أن يتولى قيادة جهاز الاستخبارات التابع له.
ويقول رضائي إنه كان من بين المؤيدين لاقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، مؤكدا في أحد خطاباته أنه طمأن الطلاب الذين نفذوا العملية بأن الحرس الثوري سيدعمهم في حال تدخلت قوات مسلحة أمريكية.
وفي 19 سبتمبر 1981، تم تعيينه قائدا عاما للحرس الثوري وهو في السابعة والعشرين من عمره فقط، ليصبح رابع قائد لهذه المؤسسة العسكرية التي كانت في طور التشكل آنذاك.
قيادة الحرس خلال سنوات الحرب
استمر رضائي في قيادة الحرس الثوري لمدة 16 عاما، وهي أطول فترة قضاها قائد في هذا المنصب. وقد تزامنت هذه المرحلة مع الحرب الإيرانية العراقية (1980–1988)، التي شكلت التجربة العسكرية الأهم في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
خلال تلك السنوات واجه الحرس الثوري تحديات عديدة، بينها الخلافات مع الجيش النظامي حول إدارة العمليات العسكرية. ومن بين أبرز تلك الخلافات النزاع مع الجنرال علي صياد شيرازي الذي كان يقود القوات البرية للجيش الإيراني آنذاك.
كما لعب رضائي دورا في إدارة الصراعات الداخلية بعد الثورة، ومنها المواجهات التي شهدتها منطقة تركمان صحراء. وخلال تلك الأحداث دخل في مناظرات سياسية مع الرئيس الإيراني آنذاك أبو الحسن بني صدر حول طريقة التعامل مع الاحتجاجات المسلحة.
رسائل الحرب والجدل حول نهايتها
مع اقتراب نهاية الحرب الإيرانية العراقية واجهت إيران سلسلة من الانتكاسات العسكرية، أبرزها استعادة العراق لشبه جزيرة الفاو عام 1988. في تلك الفترة أرسل رضائي رسالة شهيرة إلى القيادة الإيرانية يطلب فيها تعزيزات ضخمة لمواصلة الحرب.
وقد تضمنت الرسالة مطالب بالحصول على مئات الألوية العسكرية وآلاف الدبابات والمدافع والطائرات، بل وأشار فيها إلى ضرورة امتلاك أسلحة متطورة للغاية لمواجهة العراق.
لاحقا نشر الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني أجزاء من هذه الرسالة، معتبرا أنها كانت من العوامل التي دفعت القيادة الإيرانية إلى قبول قرار وقف إطلاق النار استنادا إلى القرار الدولي 598.
استقالة مؤجلة وصراعات داخلية
في أواخر الحرب قدم رضائي استقالته من قيادة الحرس الثوري بسبب خلافات مع مؤسسات الدولة، من بينها الرئاسة التي كان يتولاها آنذاك علي خامنئي، إضافة إلى مسؤولين بارزين مثل حسن روحاني الذي كان يدير مقر “خاتم الأنبياء” العسكري.
لكن آية الله الخميني رفض الاستقالة وأمره بالبقاء في منصبه. وبعد سنوات، وفي عام 1997، وافق المرشد الأعلى علي خامنئي على استقالته رسميا، منهيا مرحلة طويلة من القيادة العسكرية.
من البزة العسكرية إلى الاقتصاد
بعد خروجه من الحرس الثوري اتجه رضائي إلى المجال الأكاديمي، فدرس الاقتصاد في جامعة طهران وحصل على درجة الدكتوراه. وقد برر انتقاله إلى الاقتصاد بأن التحدي الأكبر الذي تواجهه إيران بعد الحرب هو إعادة البناء والتنمية.
وفي تلك المرحلة تولى منصب الأمين العام لمجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو منصب جعله قريبا من مراكز صنع القرار الاستراتيجي في البلاد. كما شغل لاحقا منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية بين عامي 2021 و2023.
ورغم انتقاله إلى العمل الاقتصادي والسياسي، ظل رضائي مرتبطا بالمؤسسة العسكرية وبشبكات الحرس الثوري التي توسعت في الأنشطة الاقتصادية خلال فترة إعادة الإعمار في التسعينيات.
طموحات رئاسية متكررة
خاض رضائي عدة تجارب انتخابية أبرزها الانتخابات الرئاسية أعوام 2009 و2013 و2021. وخلال انتخابات 2009 دخل في مناظرة حادة مع الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد، كما انتقد إحصاءات الحكومة الاقتصادية.
كما وجه انتقادات غير مباشرة لمرشحي المعارضة آنذاك، وبينهم مير حسين موسوي ومهدي كروبي. ورغم أنه لم يحقق نتائج كبيرة في تلك الانتخابات، إلا أنه بقي شخصية مؤثرة داخل التيار المحافظ.
وبسبب تكرار ترشحه دون الفوز، أطلق عليه بعض المعلقين لقب “المرشح الدائم”، وهي تسمية انتشرت على نطاق واسع في وسائل الإعلام ومواقع التواصل.
حياة شخصية مثقلة بالمآسي
شهدت حياة رضائي أيضا أحداثا شخصية مؤثرة، أبرزها وفاة ابنه الأكبر أحمد في دبي عام 2012. وقد أعلنت شرطة الإمارة أن الوفاة ناتجة عن جرعة زائدة من مضادات الاكتئاب، إلا أن رضائي اتهم جهاز الموساد الإسرائيلي بالوقوف وراء مقتله.
وقال إن ابنه كان قد أبلغ السلطات الإيرانية قبل وفاته بأيام بأن إسرائيل تسعى للحصول على معلومات حول مواقع الصواريخ الإيرانية.
جدل دولي وملاحقات قانونية
لا يخلو سجل رضائي من الجدل الدولي. فمنذ عام 2007 صدرت بحقه “نشرة حمراء” من الإنتربول بناء على طلب القضاء الأرجنتيني في قضية تفجير المركز اليهودي في بوينس آيرس عام 1994، المعروف باسم تفجير آميا 1994 في بوينس آيرس.
وتنفي طهران هذه الاتهامات بشكل قاطع، بينما يؤكد رضائي أنها “ادعاءات سياسية لا أساس لها”. كما فرضت عليه واشنطن عقوبات منذ عام 2020 بتهمة دعم أنشطة تعتبرها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار في المنطقة.
دلالات التعيين في لحظة التصعيد
يرى مراقبون أن استدعاء رضائي مجددا إلى موقع استشاري عسكري رفيع يحمل عدة رسائل استراتيجية. فالرجل يمتلك خبرة واسعة في إدارة الحروب غير المتكافئة وتطوير عقيدة “الدفاع غير المتماثل”، وهي الاستراتيجية التي تعتمد عليها إيران في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي.
كما أن حضوره يمثل جسرا بين الجيل المؤسس للحرس الثوري والقيادات العسكرية الشابة التي تقود العمليات اليوم. ويعتقد بعض المحللين أن القيادة الإيرانية تسعى من خلال هذا التعيين إلى توحيد الرؤية الاستراتيجية في ظل تصاعد المواجهة.
مستقبل الدور الجديد
مع تصاعد الهجمات المتبادلة في المنطقة، يعود محسن رضائي إلى دائرة القرار في لحظة قد تحدد مستقبل التوازنات الإقليمية. فالرجل الذي جمع بين الخبرة العسكرية والتجربة الاقتصادية يقف اليوم أمام اختبار جديد: المساهمة في صياغة استراتيجية تحمي إيران من الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الحفاظ على قدرتها على الردع.
وبينما يرى منتقدوه أنه لم يحقق نجاحات حاسمة في مسيرته السياسية، يعتقد أنصاره أن خبرته الطويلة في إدارة الأزمات قد تمنحه فرصة جديدة للتأثير في مسار الأحداث.
وفي ظل تعقيدات المشهد الإقليمي، يبدو أن القيادة الإيرانية تراهن مجددا على “الحرس القديم”، وعلى رأسهم محسن رضائي، لقيادة البلاد خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخها المعاصر.










