في تطور دراماتيكي يعكس عمق الخلافات البنيوية داخل الدوائر الاقتصادية والرقابية في تل أبيب، كشفت وسائل إعلام عبرية عن وصول المفاوضات بين وزارة المالية الإسرائيلية وبنك إسرائيل إلى طريق مسدود.
ويأتي هذا الجمود على خلفية “إصلاح البنوك الصغيرة”، الذي يعد أحد الركائز الأساسية في الخطة الاقتصادية لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، مما يهدد بانهيار “الجبهة الموحدة” التي حافظ عليها الطرفان طويلا كمهندسين للسياسة المالية والنقدية.
نقاشات “متوترة” وتهاوي التحالف المهني
أفادت المصادر الإسرائيلية بأن جولة النقاشات التي عقدت هذا الأسبوع انتهت بتوتر شديد دون التوصل إلى أية اتفاقات، وهو ما يعني عمليا تصدع التحالف المهني بين “قسم الميزانية” في وزارة المالية و”قسم الرقابة المصرفية” في بنك إسرائيل.
وللمرة الأولى منذ بدء الترويج لهذا الإصلاح، ستمثل الهيئات المهنية أمام “لجنة المؤسسات العامة” في الكنيست، برئاسة عضو الكنيست أوهاد تال (من حزب سموتريتش)، دون موقف حكومي متفق عليه، مما يضع اللجنة أمام معضلة مهنية وسياسية معقدة.
جوهر الخلاف: سيطرة شركات التأمين وآلية “الخمس سنوات”
يتركز الجدل الرئيسي حول اقتراح بنك إسرائيل بتقييد مدة سيطرة الشركات القابضة المالية (مثل عمالقة التأمين: فينيكس، وكلال، وهاريل) على البنوك الصغيرة المزمع إنشاؤها.
وفي محاولة لموازنة الأمور، قدم بنك إسرائيل مقترحات تسوية تضمنت آلية “التمويل الأولي” (Initial Funding)، والتي تمنح هذه المؤسسات حق السيطرة على البنك لمدة خمس سنوات فقط كفترة تأسيسية، يطلب منها بعدها تخفيض حصتها إلى 4.9%، وهي نسبة لا تمنح سيطرة كاملة.
يهدف بنك إسرائيل من هذا المقترح إلى تخفيف المخاوف التي أثارها خبراء اقتصاديون وجهات تنظيمية سابقة من أن السيطرة المطلقة للمؤسسات المالية الكبرى على البنوك ستؤدي إلى تفاقم تضارب المصالح حيث تدير هذه الشركات مدخرات التقاعد العامة والآن تريد السيطرة على القطاع المصرفي.
وكذلك زيادة التركيز في الاقتصاد مما يضر بالتنافسية وفي نهاية المطاف بمصلحة الجمهور.
رفض المالية: “تجريد الإصلاح من مضمونه”
من جهتها، امتنعت وزارة المالية عن التعليق رسميا، إلا أن مسؤولين في القطاع المالي أكدوا أن الوزارة ترى في اقتراح البنك المركزي “تجريدا للإصلاح من مضمونه”.
ويرى هؤلاء أن تقييد السيطرة بخمس سنوات سيجعل الخطوة غير مجدية اقتصاديا؛ إذ لن تخاطر أي جهة باستثمار موارد هائلة لبناء بنية تحتية مصرفية إذا كانت ستجبر على التخلي عن السيطرة في وقت قصير جدا لا يكفي لجني ثمار الاستثمار.
كما رفضت وزارة المالية شرطا آخر وضعه بنك إسرائيل، وهو ربط منح تراخيص البنوك الصغيرة بتعزيز تشريعات تنظم الإشراف على “الشركات القابضة” نفسها. ورغم وجود اتفاق مبدئي على ضرورة التنظيم، إلا أن المالية ترفض جعل ذلك “شرطا مسبقا” قد يؤدي إلى تأخير انطلاق الإصلاح لسنوات.
إطار الإصلاح: بنوك مجهرية وتسهيلات ضخمة
يستند الإصلاح المقترح إلى إطار ترخيص متدرج يهدف لكسر احتكار البنوك الكبرى فالبنك الصغير جدا كيان لا تتجاوز أصوله 2.5% من إجمالي الأصول المصرفية، والبنك الصغير كيان تصل أصوله إلى 5%.
ولجذب المستثمرين، يتضمن الإصلاح إعفاءات مغرية، منها استثناء المديرين التنفيذيين من الحد الأقصى للرواتب لمدة 10 سنوات، وإمكانية تعويض الخسائر مقابل الأرباح المستقبلية وضريبة الرواتب في السنوات الخمس الأولى.
تحذيرات الخبراء: “خطر على مدخرات الجمهور”
في مقابل إصرار سموتريتش، برزت أصوات قوية تعارض الصيغة الحالية، يقودها مفوض المنافسة السابق درور ستروم، والبروفيسور آفي بن بيست. وحذر هؤلاء من أن إدخال الهيئات التي تدير “أموال التقاعد” في صلب القطاع المصرفي سيخلق “تشابكا خطيرا” من المخاطر المركزية، ويجعل من الصعب الفصل بين مصالح المودعين ومصالح حملة الأسهم في الشركات القابضة.
التقييم المستقبلي: ضيق الوقت والقرار الصعب
يجد الكنيست نفسه الآن أمام مسارين أحلاهما مر:
تبني موقف وزارة الخزانة: لضمان “الجدوى الاقتصادية” وجذب لاعبين جدد، مع المخاطرة باستقرار النظام المالي على المدى البعيد.
قبول تحفظات بنك إسرائيل لحماية الاستقرار ومنع تضارب المصالح، مع المخاطرة بولادة “إصلاح ميت” لا يجد من يستثمر فيه.
ويرى مراقبون أن الضغط الزمني المرتبط بإقرار الميزانية لا يسمح بإجراء نقاش جاد وعميق حول هذه التحفظات المهنية. ويبدو أن الوزير سموتريتش يفضل المضي قدما وإقرار الإصلاح بصيغته الحالية بأي ثمن، معتبرا إياه إنجازا سياسيا واقتصاديا يفي بوعوده للناخبين بتخفيف حدة الاحتكار المصرفي، حتى لو كان ذلك على حساب تحذيرات البنك المركزي وكبار الاقتصاديين.
خلاصة القول، إن “إصلاح البنوك الصغيرة” بات ساحة معركة بين “النمو السريع” الذي تنشده المالية و”الاستقرار الحذر” الذي يطالب به البنك المركزي، وفي حال استمرار الجمود، قد يجد الجمهور الإسرائيلي نفسه أمام نظام مصرفي أكثر تشابكا وخطورة بدلا من كونه أكثر تنافسية.











