تل أبيب/ طهران – في تطور عسكري وسياسي هو الأخطر منذ اندلاع المواجهات المباشرة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن تصفية علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني وأحد أبرز أعمدة النظام في طهران. هذا الإعلان، الذي جاء في بيان شديد اللهجة، يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة على تصعيد غير مسبوق، خاصة وأن لاريجاني يعتبر “مهندس المرحلة الانتقالية” والرجل الذي وضع فيه المرشد الراحل علي خامنئي ثقته المطلقة.
بيان الاغتيال: “مطاردة قادة الإرهاب”
صرح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بوضوح قائلا: “تم القضاء على لاريجاني وقائد الباسيج [غلام رضا سليماني] وانضما إلى قائد خطة التدمير، خامنئي، وجميع أعضاء محور الشر الذين تم تحييدهم في أعماق الجحيم”.
وأكد كاتس أن هذه العملية تأتي تنفيذا لأوامر مباشرة منه ومن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للجيش الإسرائيلي بضرورة “مواصلة مطاردة قادة نظام الإرهاب والقمع في إيران وقطع رأس الأخطبوط مرارا وتكرارا ومنعه من النمو”. تعكس هذه التصريحات تحولا جذريا في الاستراتيجية الإسرائيلية التي انتقلت من استهداف الوكلاء الإقليميين إلى بتر القيادات العليا داخل الهيكل التنظيمي والسياسي الإيراني مباشرة.
غموض إيراني ورسالة “بخط اليد”
على الجانب الآخر، ساد الصمت الرسمي في طهران لفترة وجيزة، حيث لم تؤكد السلطات الإيرانية نبأ الاغتيال فور صدوره. ومع ذلك، بثت وسائل إعلام رسمية أنباء عن كلمة مرتقبة للاريجاني، تبعها نشر صورة لرسالة مكتوبة بخط اليد على حسابه بمنصة “إكس” (تويتر سابقا). ويرى محللون أن هذه الخطوة قد تكون محاولة من الأجهزة الأمنية الإيرانية لامتصاص الصدمة أو كسب الوقت قبل الإعلان الرسمي عن حجم الخسارة، خاصة وأن لاريجاني شوهد لآخر مرة علنا يوم الجمعة الماضي في طهران مشاركا في مسيرات “يوم القدس”.
لاريجاني: الرجل الذي لا يعوض
إذا تأكد اغتيال علي لاريجاني، فسيكون أرفع مسؤول إيراني يقتل منذ اغتيال المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب. لاريجاني ليس مجرد مسؤول بيروقراطي، بل هو سليل إحدى أعرق عائلات رجال الدين البارزة، والولاء المطلق للمرشد كان السمة الغالبة لمسيرته.
لقد تولى لاريجاني مهام جسيمة، كان آخرها تعيينه في أغسطس الماضي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، حيث أوكلت إليه مهمة إدارة المرحلة الانتقالية الحرجة بعد وفاة خامنئي. كما شغل منصب رئيس البرلمان لـ 12 عاما (2008-2020)، وكان المفاوض النووي الشرس الذي دافع عن حق بلاده في تخصيب اليورانيوم، واصفا الحوافز الأوروبية آنذاك بأنها “مقايضة لؤلؤة بقطعة حلوى”.
بين الدبلوماسية والقمع
اتسمت مسيرة لاريجاني بالتناقض بين العمل الدبلوماسي والقبضة الأمنية:
المفاوض الخبير: قاد المفاوضات التي أدت لاتفاق 2015 النووي، وظل حلقة الوصل الاستراتيجية مع الوسطاء مثل سلطنة عمان.
المسؤول المعاقب دوليا: في يناير الماضي، فرضت واشنطن عقوبات عليه بتهمة إصدار أوامر بشن حملة قمع دموية ضد المتظاهرين.
رجل الاستراتيجية: وفقا لوزارة الخزانة الأمريكية، كان لاريجاني من أوائل القادة الذين دعوا للجوء إلى العنف لسحق الاحتجاجات، مؤكدا أن تلك المظاهرات هي “تحريض من إسرائيل”.
زلزال في بنية النظام
لقد عاد لاريجاني إلى قلب المؤسسة الأمنية بقوة بعد الحرب الجوية التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل العام الماضي. وتأتي عملية تصفيته لتترك فراغا هائلا في القيادة، خاصة وأن مجلس صيانة الدستور كان قد استبعده سابقا من سباق الرئاسة لأسباب تتعلق بـ “نمط الحياة”، إلا أن خامنئي أعاده للواجهة كخبير استراتيجي لا غنى عنه في وقت الأزمات الكبرى.
بمقتله، تفقد إيران “عقلها المدبر” لإدارة التوازنات بين أجنحة الحكم المتصارعة، وتجد نفسها وجها لوجه أمام واقع جديد قد يجبرها على رد عسكري مباشر يتجاوز حدود “حروب الظل” التقليدية.










