في خطوة تنظيمية أثارت جدلا واسعا في الأوساط السورية، أصدر المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق، يوم الأربعاء، قرارا حازما يقضي بمنع تقديم المشروبات الكحولية في المطاعم والنوادي الليلية داخل العاصمة، مع حصر نشاط بيعها في نطاق جغرافي ضيق ومحدد، وضمن شروط رقابية صارمة تهدف إلى تنظيم المظهر العام والاستجابة للمطالب المجتمعية.
حصر الجغرافيا: “المثلث التاريخي” هو المستثنى
وفقا للقرار الرسمي الذي نشرته محافظة دمشق عبر منصاتها الرسمية، واطلعت عليه وكالة “شفق نيوز”، فقد تقرر حصر بيع المشروبات الروحية (المغلقة فقط) في ثلاثة أحياء محددة تقع في قلب دمشق القديمة ومحيطها، وهي: باب توما، القصاع، وباب شرقي.
ويأتي هذا الاستثناء الجغرافي مراعاة للطبيعة الاجتماعية والتاريخية لهذه المناطق؛ حيث أفاد مراسل الوكالة في دمشق بأن هذه الأحياء ذات غالبية مسيحية، وتعرف تاريخيا بتنوعها الاجتماعي وانفتاحها الثقافي، ووجود منشآت سياحية عريقة تقدم هذه الخدمات منذ عقود، مما يجعل حصر النشاط فيها وسيلة لتجنب الاحتكاك أو الحساسيات المجتمعية في الأحياء الأخرى ذات الطابع المحافظ.
ضوابط المسافة والالتزام: شروط قاسية للمرخصين
لم يكتف القرار بتحديد المكان، بل وضع “مسطرة” قانونية صارمة لعمل المحال التجارية داخل الأحياء المستثناة، وتضمنت الشروط ما يلي:
المسافات القانونية: منع فتح أي محل لبيع المشروبات بمسافة تقل عن 75 مترا عن دور العبادة (مساجد وكنائس)، المقابر، والمؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها.
المقار الرسمية: الالتزام بنطاق أمان يبلغ قطره 20 مترا حول المخافر الأمنية والدوائر والمقار الرسمية التابعة للدولة.
التعهد الموثق: يلزم أصحاب المحال بتقديم تعهد قانوني يمنع منعا باتا استهلاك المشروبات داخل المحل أو في محيطه المباشر، حيث يقتصر النشاط على “البيع المغلق” فقط.
وشددت المحافظة على أن أي مخالفة لهذه البنود ستؤدي فورا إلى سحب الترخيص والإغلاق النهائي للمنشأة، مانحة المحال القائمة حاليا مهلة ثلاثة أشهر فقط لتسوية أوضاعها القانونية أو تغيير مواقعها بما يتوافق مع الضوابط الجديدة.
“الآداب العامة” والمطالب المجتمعية
أوضح إعمام المحافظة أن هذه الإجراءات لم تأت من فراغ، بل كانت استجابة لسلسلة من الشكاوى الواردة من المواطنين وبناء على مطالب مجتمعية متكررة للحد مما وصفته بـ “الظواهر المخالفة للآداب العامة” والضوضاء التي ترافق النوادي الليلية في المناطق السكنية.
ويرى مراقبون أن هذا القرار يمثل محاولة من السلطات المحلية لإعادة رسم “الخارطة السياحية والاجتماعية” للعاصمة، عبر عزل الأنشطة التي قد تسبب جدلا اجتماعيا في جيوب جغرافية محددة، مع تشديد القبضة الرقابية على المطاعم والمنشآت التي كانت تقدم المشروبات بشكل علني في أحياء مثل “المزة” أو “أبو رمانة”.
تفتح هذه الخطوة الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الاستثمارات السياحية في دمشق، خاصة في ظل الاعتماد الكبير لبعض المطاعم الكبرى على هذه الخدمات لتحقيق الربحية، ومدى قدرة الأحياء الثلاثة المستثناة على استيعاب الطلب المتزايد دون التأثير على هدوئها التاريخي.










