في خطوة استراتيجية جريئة تعزز مكانة نيجيريا كقوة صناعية إفريقية، وقّعت شركة “دانجوت للصناعات المحدودة”، أكبر شركة صناعية خاصة في أفريقيا، اتفاقية توريد غاز طبيعي طويلة الأمد مع مجموعة “جي سي إل” الصينية الضخمة.
الصفقة، التي تبلغ قيمتها 2.4 مليار دولار أمريكي وتمتد لمدة 25 عامًا، تهدف إلى ضمان وقود مستدام لتشغيل مصنع الأسمنت العملاق في أوكو، ولاية لاغوس، الذي يُعد أكبر مصنع أسمنت في العالم بسعة إنتاجية تصل إلى 6 ملايين طن سنويًا.
أعلن أليكو دانجوت، الرجل الأعمال النيجيري البارز والملياردير الأغنى في أفريقيا، عن التوقيع خلال مؤتمر صحفي حاشد في مقر الشركة بلاغوس يوم الثلاثاء.
وقال دانجوت: “هذه الاتفاقية ليست مجرد صفقة تجارية، بل خطوة نحو استقلالية طاقوية حقيقية لنيجيريا. سنقلل الاعتماد على الاستيراد ونعزز الإنتاج المحلي، مما يدعم آلاف الوظائف ويخفض تكاليف الإسكان”.
وأضاف أن الغاز الطبيعي المورد سيأتي من حقول نيجيرية محلية، مما يعزز الاقتصاد الوطني ويحد من التسربات النقدية إلى الخارج.
تأتي الصفقة في وقت حاسم لسوق الطاقة العالمي، حيث يشهد الغاز الطبيعي طلبًا متزايدًا بسبب التحول نحو الطاقات الأنظف.
مجموعة “جي سي إل”، الشركة الصينية المتخصصة في استكشاف وإنتاج الغاز والنفط، ستشرف على توريد نحو 150 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز المسال والجاف، بدءًا من الربع الثالث من 2026.
وفقًا لمصادر مطلعة، تشمل الاتفاقية بنودًا للاستثمار في البنية التحتية، بما في ذلك خطوط أنابيب جديدة تربط حقول الغاز في دلتا النيجر بمصنع دانجوت، بتكلفة إضافية تصل إلى 500 مليون دولار.
يُعد مصنع الأسمنت في أوكو، الذي بدأ تشغيله الكامل في 2023، رمزًا لنجاح دانجوت في تحويل نيجيريا من مستورد أسمنت إلى مصدر رئيسي. قبل إنشائه، كانت نيجيريا تستورد 60% من احتياجاتها من الأسمنت، مما يكلف الاقتصاد مليارات الدولارات سنويًا.
اليوم، يغطي المصنع 50% من السوق المحلي ويصدر إلى دول غرب أفريقيا، مع خطط لتوسعة سعته إلى 10 ملايين طن بحلول 2030. ومع ذلك، واجه المشروع تحديات سابقة مثل نقص الغاز المحلي بسبب سرقة الوقود وهجمات الجماعات المسلحة في دلتا النيجر، مما دفع دانجوت إلى البحث عن شركاء دوليين موثوقين.
تأثيرات اقتصادية وجيوسياسية
ستعزز الصفقة الشراكة بين نيجيريا والصين، التي أصبحت أكبر مستثمر في أفريقيا. منذ إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” في 2013، استثمرت بكين أكثر من 300 مليار دولار في القارة، مع التركيز على الطاقة والصناعات الثقيلة. وفي سياق نيجيريا، يأتي هذا بعد صفقات سابقة مثل قرض بقيمة 1.2 مليار دولار لتحديث السكك الحديدية.
خبراء اقتصاديون يرون في الاتفاقية فرصة لنيجيريا للاستفادة من خبرة الصين في تكنولوجيا الغاز، لكن يحذرون من مخاطر الديون.
قال الدكتور فاطو محمد، محلل اقتصادي في جامعة لاغوس: “هذه صفقة رابح-رابح، لكن نيجيريا يجب أن تضمن شروطًا تفضيلية لتجنب فخ الديون”.
على الصعيد البيئي، يُثنى على الاتفاقية لدعمها التحول إلى وقود أنظق من الفحم أو المازوت، مما يقلل انبعاثات الكربون بنسبة 40% في عمليات التصنيع.
كما ستخلق الشراكة 5,000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة، خاصة في مجالات الصيانة واللوجستيات، في وقت تشهد فيه نيجيريا بطالة تصل إلى 33% بين الشباب.
تحديات مستقبلية وآفاقرغم التفاؤل، تواجه الصفقة عقبات محتملة.
التوترات في دلتا النيجر، حيث يحدث 80% من إنتاج الغاز النيجيري، قد تعيق التدفق. كما يطالب نشطاء بضمانات بيئية أقوى لتجنب تلوث المياه. ومع ذلك، يتعهد دانجوت ببرامج مسؤولية اجتماعية تشمل تدريب 2,000 شاب محلي على تكنولوجيا الغاز.في الختام، تمثل اتفاقية دانجوت-جي سي إل نموذجًا للشراكات الجنوب-جنوب، تعزز الاستقلالية الصناعية وتدفع عجلة التنمية في أفريقيا.
مع بدء التنفيذ، يترقب العالم كيف ستُعيد نيجيريا رسم خريطة الطاقة الإفريقية.










