السيناتور الجمهوري يرى أن جزيرة خرج تمثل الشريان الأهم لعائدات طهران النفطية، ويعتبر أن إحكام السيطرة عليها قد يوجّه ضربة مباشرة لقدرة إيران على تمويل الحرب ومواصلة التصعيد في الخلي
واشنطن – 19 مارس 2026 المنشر الإخبارى
فتح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام جبهة جديدة من الجدل السياسي والعسكري في واشنطن، بعدما دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، معتبراً أن هذه الخطوة كفيلة بشل اقتصاد طهران وتقليص أمد الحرب. وجاءت تصريحات غراهام في لحظة شديدة الحساسية، إذ لم تعد الجزيرة مجرد موقع جغرافي في الخليج، بل تحولت خلال الأيام الماضية إلى عنوان مباشر للصراع على الطاقة والممرات البحرية وميزان الردع في المنطقة.
غراهام، خلال مقابلة تلفزيونية، قدم طرحه باعتباره بديلاً عن الغزو الشامل لإيران. فهو يقول إن الولايات المتحدة ليست في حاجة إلى اجتياح بري واسع، بل إلى ضرب مركز الثقل الاقتصادي الذي تعتمد عليه الجمهورية الإسلامية. وفي نظره، فإن جزيرة خرج تمثل هذا المركز، بوصفها العقدة الأهم في شبكة تصدير النفط الإيراني، وبالتالي فإن إحكام السيطرة عليها أو تعطيل دورها من شأنه أن يوجه ضربة قاسية لقدرة طهران على تمويل الحرب والاستمرار في المواجهة.
لكن أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند بعدها الدعائي أو السياسي، بل تتصل بسياق عسكري قائم بالفعل. فترامب كان قد أعلن قبل أيام أن القوات الأمريكية قصفت أهدافاً عسكرية على جزيرة خرج، مؤكداً في ذلك الوقت أن البنية التحتية النفطية لم تكن ضمن الأهداف، مع تلويحه بإعادة النظر في هذا السقف إذا استمرت طهران في تهديد الملاحة عبر مضيق هرمز. كما أفادت تقارير لاحقة بأن الإدارة الأمريكية ناقشت بالفعل خيارات أوسع تتعلق بالجزيرة، بينها تصعيد قد يشمل إرسال قوات أو العمل ضمن تحالف دولي لتأمين المضيق والضغط على إيران من بوابة خرج.
هنا بالتحديد، تكتسب دعوة غراهام خطورتها. فهي لا تأتي من فراغ، ولا من خارج السياق التنفيذي الجاري في واشنطن، بل تبدو أقرب إلى دفع علني نحو تحويل خرج من هدف عسكري محدود إلى أداة خنق اقتصادي مباشر. وتزداد حساسية هذه المقاربة لأن الجزيرة تُعد المنفذ الأبرز لصادرات النفط الإيرانية، وقد وصفتها تقارير دولية بأنها مركز حيوي يمر عبره الجزء الأكبر من صادرات الخام الإيرانية، ما يجعلها نقطة ضعف استراتيجية شديدة الوضوح في أي مواجهة مفتوحة.
المعنى العملي لما يقترحه غراهام يتجاوز مجرد قصف موضعي أو توجيه رسالة ردع. السيطرة على خرج، أو حتى تحويلها إلى ساحة استنزاف مستمر، قد يترتب عليه تعطيل العائدات النفطية الإيرانية بصورة مباشرة، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الضغط الاقتصادي بالنار. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون إيران وحدها المتضررة، لأن أي اضطراب واسع في هذه العقدة الحيوية سيلقي بظلاله فوراً على أسواق الطاقة العالمية، وعلى حركة الشحن في الخليج، وعلى الدول المستوردة التي تراقب بالفعل بقلق شديد أي تطور يمس مضيق هرمز أو الممرات المرتبطة به.
ورغم أن الخطاب الأمريكي الرسمي لا يعلن حتى الآن نية واضحة للاستيلاء على الجزيرة، فإن تطور المواقف خلال أقل من أسبوع يكشف اتجاهاً متدرجاً نحو رفع سقف الضغط. البداية كانت بضرب أهداف عسكرية مع إبقاء البنية النفطية خارج الاستهداف، ثم جاءت تهديدات أكثر حدة من ترامب، أعقبها تداول تقارير عن بحث خيارات أوسع، قبل أن يخرج غراهام الآن مطالباً بخطوة أكثر مباشرة وفجاجة: ضرب شريان الدخل الإيراني بدل التورط في حرب برية طويلة.
وفي خلفية هذا الجدل، تقف معضلة أمريكية معروفة: كيف يمكن زيادة الكلفة على إيران من دون الانزلاق إلى حرب شاملة لا يمكن احتواء نتائجها؟ أنصار التصعيد يرون أن استهداف خرج يحقق المعادلة المثالية، لأنه يوجع طهران في قلب اقتصادها من دون الحاجة إلى احتلال إيران أو خوض حرب مدن. أما المعارضون، فيحذرون من أن اللعب بورقة النفط والممرات البحرية قد يفجر المنطقة كلها، ويدفع إيران إلى ردود أكثر عنفاً ضد المصالح الأمريكية وحلفائها، أو إلى مزيد من التصعيد في هرمز، بما يحول الخليج إلى ساحة اشتباك اقتصادي وعسكري مفتوح.
ومن زاوية أوسع، فإن تصريحات غراهام تعكس أيضاً مزاجاً متشدداً داخل جزء من المؤسسة الجمهورية، يرى أن الحرب لا تُحسم فقط بتدمير الصواريخ والمنصات العسكرية، بل بكسر قدرة الخصم على التمويل والاستمرار. غير أن هذه المقاربة تحمل تناقضاً صارخاً: فالمطالبة بعدم غزو إيران تتزامن مع الدعوة إلى خطوة قد تُفسَّر في طهران باعتبارها عملاً حربياً من الدرجة القصوى، لأنها تستهدف شريان الدولة المالي ومركز ثقلها النفطي.
في المحصلة، لا يبدو أن دعوة ليندسي غراهام مجرد تصريح عابر في برنامج تلفزيوني. إنها مؤشر على أن الجدل داخل واشنطن يتحرك سريعاً من سؤال “كيف نرد على إيران؟” إلى سؤال أخطر بكثير: “كيف نكسرها اقتصادياً من دون احتلالها؟”. وبين هذين السؤالين، تقف جزيرة خرج الآن في قلب المواجهة، بوصفها أكثر من جزيرة نفطية؛ إنها ورقة ضغط، وهدف عسكري، ورسالة سياسية، وربما الشرارة التي قد تدفع الحرب إلى طور أكثر اتساعاً وأعلى كلفة.










