أنقرة تطرح نفسها وسيطًا سياسيًا بين واشنطن وطهران، في محاولة لفتح نافذة دبلوماسية جديدة وسط تصاعد المواجهة وتعقد مشهد الطاقة والأمن في الشرق الأوسط
أنقرة- المنشر الإخبارى
في محاولة لالتقاط اللحظة قبل انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، عرضت تركيا استضافة مفاوضات أميركية-إيرانية في إسطنبول بهدف خفض التصعيد وفتح مسار دبلوماسي يوقف التدهور المتسارع في الشرق الأوسط. المبادرة التركية، التي خرجت من الرئاسة في أنقرة، تعكس سعيًا واضحًا لتموضع سياسي جديد يجعل من تركيا لاعبًا مباشرًا في إدارة واحدة من أخطر أزمات المنطقة وأكثرها قابلية للانفجار.
وبحسب الطرح التركي، فإن إسطنبول يمكن أن تتحول إلى منصة حوار تجمع بين واشنطن وطهران في حال توافرت الإرادة السياسية لدى الطرفين، مع تأكيد رسمي على استعداد أنقرة لتقديم التسهيلات اللازمة لتنظيم أي مسار تفاوضي محتمل، بما يضمن إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة ويمنع انتقال الاشتباك من مستوى التصعيد المضبوط إلى مرحلة الانفجار المفتوح.
الرسالة التركية لم تكن بروتوكولية أو رمزية فحسب، بل حملت في مضمونها رغبة في استثمار الموقع الجغرافي والسياسي لتركيا باعتبارها نقطة تماس بين الغرب والشرق، وبين مصالح الناتو وتعقيدات الإقليم. ولهذا، قدّمت أنقرة نفسها باعتبارها “جسرًا استراتيجيًا” قادرًا على استضافة حوار من النوع الأصعب: حوار بين خصمين يتبادلان الرسائل النارية، لكنهما لا يملكان في الوقت نفسه رفاهية الذهاب إلى حرب بلا سقف.
وتأتي هذه المبادرة في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد المنطقة تصاعدًا حادًا في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، بالتوازي مع اضطراب واسع في ملف الطاقة، وارتفاع منسوب القلق من اتساع دائرة الصراع بما يطال الممرات البحرية والبنية التحتية الحيوية ومصالح قوى إقليمية ودولية عديدة. ومن هنا، لا تبدو الدعوة التركية مجرد عرض لاستضافة لقاء سياسي، بل محاولة لوقف مسار تصادمي قد تتجاوز كلفته حدود اللاعبين المباشرين ليضرب استقرار الشرق الأوسط كله.
اللافت أن أنقرة تراهن أيضًا على أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة الأزمات، خاصة ما يتعلق بميله إلى عقد الصفقات والبحث عن اختراقات غير تقليدية في الملفات المعقدة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن تركيا تعتقد أن جمع مسؤولين من إدارة ترامب مع الجانب الإيراني في إسطنبول قد يخلق فرصة لفتح باب تفاوضي جديد، حتى وإن بدأ من عناوين محدودة تتعلق بضبط الاشتباك، قبل الانتقال لاحقًا إلى ملفات أوسع تتصل بالأمن الإقليمي والطاقة ومستقبل المواجهة الجارية.
كما تستند المبادرة التركية إلى سجل سابق لأنقرة في لعب أدوار الوساطة، مستفيدة من علاقاتها المتشعبة مع أطراف متعارضة، ومن قدرتها على الحفاظ على خطوط تواصل مع عواصم متخاصمة في لحظات شديدة التوتر. وهذا ما يمنحها، من وجهة نظرها، هامشًا للتحرك في الأزمة الحالية، خصوصًا في ظل تعثر قنوات أوروبية وعدم نجاح وساطات أخرى في انتزاع اختراق فعلي حتى الآن.
سياسيًا، تمنح هذه المبادرة تركيا فرصة لإعادة تثبيت نفسها كقوة إقليمية لا تكتفي بمراقبة التحولات، بل تسعى إلى التأثير فيها وصياغة مساراتها. فأنقرة تدرك أن أي مفاوضات تُعقد على أراضيها بين واشنطن وطهران ستمنحها وزنًا إضافيًا في معادلات المنطقة، وتعيد تأكيد دورها كدولة لا يمكن تجاوزها في الملفات الكبرى، من الأمن إلى الطاقة إلى التوازنات الجيوسياسية.
لكن نجاح المبادرة لا يتوقف على الحماس التركي وحده، بل يرتبط أولًا بمدى استعداد واشنطن وطهران لالتقاط هذه النافذة. فالمعضلة الأساسية لا تكمن في مكان التفاوض بقدر ما تكمن في وجود أرضية سياسية تسمح أصلًا بالجلوس إلى الطاولة. وحتى الآن، ما زالت مؤشرات التصعيد أعلى من مؤشرات التهدئة، وهو ما يجعل العرض التركي مهمًا من حيث التوقيت والدلالة، لكنه لا يضمن بالضرورة انتقالًا سريعًا إلى مفاوضات فعلية.
مع ذلك، فإن مجرد طرح إسطنبول كمقر محتمل لحوار أميركي-إيراني يعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن استمرار المواجهة من دون قنوات اتصال يحمل مخاطر تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فكل يوم يمر من دون مسار دبلوماسي موازٍ يرفع احتمال سوء التقدير، ويفتح الباب أمام انزلاقات أوسع في ساحات متعددة، من الخليج إلى المشرق، ومن الطاقة إلى أمن الملاحة الدولية.
في المحصلة، تبدو المبادرة التركية محاولة سياسية لاقتناص مساحة بين النار والدبلوماسية؛ مساحة تقول فيها أنقرة إن المنطقة لا تزال تملك فرصة لتفادي الأسوأ، وإن إسطنبول قد تكون العنوان المناسب إذا قررت واشنطن وطهران الانتقال، ولو مؤقتًا، من تبادل الضغط إلى اختبار التفاوض. وبين الرغبة التركية في لعب دور الوسيط، وحسابات الطرفين المتصارعين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول إسطنبول إلى غرفة إنقاذ للأزمة، أم يبقى العرض التركي مجرد رسالة سياسية في زمن الحروب المفتوحة؟










