مكافآت تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن 5 من أبرز قادة الحرس الثوري في خطوة أميركية تستهدف اختراق الدائرة الأمنية الأكثر صلابة داخل النظام الإيرانى
طهران – المنشر الإخباري
في تصعيد جديد للحرب الأميركية المفتوحة ضد طهران، انتقلت واشنطن من لغة العقوبات والضربات إلى سلاح أكثر حساسية: اختراق الدائرة الصلبة داخل الحرس الثوري عبر المال والمعلومات. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن رصد مكافآت مالية ضخمة مقابل معلومات تقود إلى خمسة من أبرز القادة المرتبطين ببنية الحرس الثوري، في خطوة تكشف أن المعركة لم تعد تدار فقط بالصواريخ، بل أيضاً عبر حرب استخباراتية تستهدف تفكيك مراكز النفوذ من الداخل.
التحرك الأميركي جاء عبر برنامج “المكافآت مقابل العدالة”، الذي أعاد تسليط الضوء على أسماء تعتبرها واشنطن من العقول المحركة لعمليات الحرس الثوري وشبكاته العابرة للحدود. وبحسب الإعلان الأميركي، فإن المكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات موثوقة تساعد في تحديد أماكن هؤلاء القادة أو كشف شبكاتهم وتحركاتهم، مع تعهدات بتأمين سرية المصدر، بل وإمكانية إعادة توطين من يقدّم معلومات حاسمة.
وتضم القائمة المطروحة شخصيات بارزة تتوزع أدوارها بين القيادة العامة والتخطيط العسكري والتكنولوجيا المسيّرة والحرب السيبرانية والعمل الاستخباراتي، وهو ما يعكس طبيعة الهدف الأميركي: ليس مجرد ملاحقة أفراد، بل استهداف البنية التشغيلية للحرس الثوري في أكثر مفاصله حساسية. الرسالة هنا تتجاوز البعد الأمني المباشر، إذ يبدو أن واشنطن تريد القول إنها مستعدة لفتح الأبواب أمام المنشقين والمتعاونين، وتحويل الضغوط الخارجية إلى اختراقات داخلية في مؤسسة تعد من أكثر مؤسسات النظام الإيراني تماسكاً وانغلاقاً.
وتحاول الولايات المتحدة، من خلال النسختين الإنجليزية والفارسية من الإعلان، توجيه الرسالة مباشرة إلى الداخل الإيراني، لا سيما إلى من يملكون معرفة تفصيلية بتحركات القيادات المستهدفة أو شبكات ارتباطهم. وهذا التفصيل ليس ثانوياً، بل يحمل دلالة واضحة على أن الحملة مصممة لاجتذاب مصادر من قلب البيئة الإيرانية نفسها، مستفيدة من أجواء الارتباك والضغوط المتزايدة التي يعيشها النظام في ظل الحرب والتوترات الأمنية المتلاحقة.
اللافت أن الإعلان الأميركي لم يكتف بعرض المكافآت، بل قدّم كذلك قنوات اتصال آمنة، في محاولة لبناء ثقة مع أي مصدر محتمل، ولتأكيد أن العملية ليست دعائية فقط، بل جزء من آلية تشغيلية فعلية تسعى إلى جمع المعلومات وتحويلها إلى نتائج ميدانية. وفي هذا السياق، تبدو واشنطن وكأنها توسع مسرح المواجهة مع الحرس الثوري من ساحة الإقليم إلى داخل البنية التنظيمية ذاتها، مستندة إلى الإغراء المالي والحماية الشخصية كأداتين لجذب المخبرين أو المتعاونين.
ويحمل هذا التحرك بُعداً سياسياً وإعلامياً لا يقل أهمية عن بعده الأمني. فالإعلان عن رصد ملايين الدولارات يهدف أيضاً إلى إحراج طهران، وإظهار أن كبار قادتها باتوا مطلوبين ومكشوفين ومطاردين على الملأ، بما يضرب صورة التماسك والسيطرة التي يحاول النظام الإيراني تكريسها. كما أنه يبعث برسالة إلى الحلفاء والخصوم في آن واحد بأن الولايات المتحدة لا تزال تملك أدوات ضغط غير تقليدية، وأنها قادرة على الجمع بين القوة العسكرية والحرب النفسية والاختراق الاستخباراتي في إدارة الصراع.
وبالنسبة للحرس الثوري، فإن أخطر ما في هذه الخطوة ليس الرقم المالي بحد ذاته، بل ما يمثله من محاولة مباشرة لتحويل الشك إلى سلاح داخلي. فعندما توضع قيادات بارزة تحت إغراء “الملايين”، يصبح كل تسريب محتمل، وكل دائرة اتصال، وكل حركة داخلية محل ريبة وتدقيق، وهو ما يهدد بخلق بيئة من التوجس داخل مؤسسة تعتمد أصلاً على السرية الصارمة والولاء العقائدي.
هكذا، تكشف واشنطن عن فصل جديد من المواجهة مع إيران، عنوانه المال مقابل الأسرار، والمكافآت مقابل الرؤوس الكبيرة. وبينما تبدو الخطوة في ظاهرها إجراءً استخباراتياً تقليدياً، فإن مضمونها الأعمق يشير إلى أن الصراع دخل مرحلة أكثر جرأة، لم تعد فيها الولايات المتحدة تكتفي باستنزاف إيران من الخارج، بل تسعى أيضاً إلى هزّ تماسكها من الداخل، وضرب واحدة من أكثر مؤسساتها نفوذاً وحساسية: الحرس الثوري.









