مع دخول المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران أسبوعها الرابع، بدأت تظهر تصدعات عميقة ومقلقة داخل بنية القوات المسلحة الأمريكية.
كشفت سلسلة من المقابلات الحصرية مع جنود في الخدمة الفعلية وقوات الاحتياط عن حالة سائدة من “الضعف، الضغط الهائل، والإحباط الشديد”، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انزلاق الولايات المتحدة في مستنقع عسكري يتجاوز في كلفته البشرية والسياسية حربي العراق وأفغانستان.
قفزة هائلة في “طلبات الاعتراض”
وفقا لتقرير استقصائي نشره موقع “هاف بوست”، يشهد مركز “الضمير والحرب” (Center on Conscience & War) طوفانا غير مسبوق من طلبات الجنود الراغبين في إنهاء خدمتهم أو رفض الانتشار العسكري.
صرح مايك بريسنر، المدير التنفيذي للمركز، بأن المنظمة كانت تتلقى تاريخيا ما بين 50 إلى 80 طلبا سنويا من جنود يبحثون عن مخرج قانوني وضميري من الخدمة.
إلا أن شهر مارس الجاري شهد تحولا دراماتيكيا؛ حيث سجلت الطلبات “زيادة بنسبة 1000%”، مع تواصل جندي جديد واحد على الأقل يوميا بالمنظمة لطلب الاستشارة القانونية حول كيفية تجنب المشاركة في الصراع الدائر.
وأكد بريسنر أن مجموعته تتعامل حاليا مع طلبات “مستعجلة جدا” لأفراد من الجيش، والبحرية، وسلاح مشاة البحرية (المارينز)، والذين تلقوا أوامر مباشرة بالانتشار في المسرح الإيراني نهاية الأسبوع الجاري.
هؤلاء الجنود، بحسب التقرير، يعبرون عن رفضهم الأخلاقي والسياسي للقتال في حرب يرون أنها تخدم أجندات غير وطنية.
شهادات من “خط النار” في ألمانيا
وفي شهادة ميدانية صادمة، تحدث مسؤول عسكري يعمل في تجهيز ومعالجة أفراد الخدمة الذين تم إجلاؤهم من الشرق الأوسط إلى القواعد الأمريكية في ألمانيا، واصفا الوضع بـ “الفوضوي”.
وأشار المسؤول إلى أن الجنود الذين وصلوا من الجبهة يعانون من آثار “حماية غير كافية وتخطيط استراتيجي واف”.
وحذر المسؤول العسكري بلهجة حادة من أن أي تفكير في “عملية برية” داخل الأراضي الإيرانية سيكون بمثابة “كارثة مطلقة”، وأضاف: “الحقيقة المرة هي أننا لا نملك خطة جاهزة لذلك. لا يمكننا حاليا توفير الدفاع الكامل حتى لقاعدة برية واحدة في مسرح القتال الحالي، فكيف بشن غزو واسع؟”.
فاتورة الدم والرفض الأيديولوجي
الأرقام الرسمية تشير إلى قتامة المشهد الميداني؛ حيث قتل 13 جنديا أمريكيا حتى الآن، 7 منهم لقوا حتفهم مباشرة جراء الضربات الصاروخية والمسيرات، فيما أصيب ما لا يقل عن 232 آخرين بجروح متفاوتة.
هذه الخسائر البشرية في وقت قصير أججت الغضب داخل الثكنات.
نقلت محاربة قديمة وضابطة في قوات الاحتياط عن زملائها في الخدمة قولهم بصراحة: “لا نريد أن نموت من أجل إسرائيل – لا نريد أن نكون مجرد بيادق سياسية في صراع لا ناقة لنا فيه ولا جمل”.
المشاعر لم تعد تقتصر على همسات الغرف المغلقة، بل تحولت إلى ظاهرة رصدتها احتياطية أخرى، أكدت أنها تلقت معلومات عن “معترضي ضمير” 6 مرات خلال الأسبوعين الماضيين فقط، وهو أمر أكدت أنه لم يحدث طوال 20 عاما من مدة خدمتها الطويلة.
دروس العراق وأفغانستان وشبح الفشل
يجمع العديد من قدامى المحاربين على أن واشنطن تكرر أخطاء الماضي، محذرين من أن الإدارة الحالية تقود البلاد نحو مستنقع مكلف يعيد للأذهان إخفاقات العقدين الماضيين.
ويرى هؤلاء أن “الجنود الأصغر سنا” باتوا أكثر وعيا بالمخاطر، بفضل المناقشات الصريحة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي حول إخفاقات حربي العراق وأفغانستان، مما جعلهم أقل استجابة للدعاية الحربية التقليدية.
هذا التحول في الوعي داخل الجيش يوازيه تحول جذري في الشارع الأمريكي، إذ أظهر استطلاع حديث أجرته شبكة “إن بي سي نيوز” (NBC News) أن 63% من الناخبين الأمريكيين تحت سن 34 عاما ينظرون الآن إلى إسرائيل بشكل سلبي، وهو ارتفاع هائل مقارنة بنسبة 37% فقط في عام 2023.
استنتاج: أزمة ثقة في القيادة
إن هذا التحول في الرأي العام بين الشباب -الذين يشكلون خزان الوقود البشري للقوات المسلحة- يعكس تزايد التحفظات والمخاوف حول جدوى المشاركة في عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران.
وبينما تصر القيادة السياسية في واشنطن على المضي قدما في العمليات العسكرية، يواجه الجيش الأمريكي تحديا داخليا غير مسبوق يتمثل في “أزمة ثقة” قد تؤدي إلى انهيار الروح المعنوية، أو حتى موجة استقالات جماعية وتمردا صامتا يعيق القدرة على تنفيذ المهام القتالية في واحدة من أخطر مناطق العالم.










