تواجه إثيوبيا،منعطفا اقتصاديا واجتماعيا حرجا، حيث دخلت البلاد في حالة من “الجمود القسري” جراء نقص حاد في إمدادات الوقود، وخاصة الديزل.
ولم تعد الأزمة مجرد طوابير طويلة أمام المحطات، بل تحولت إلى “عاصفة كاملة” تسببت في شلل قطاع النقل ولوجستيات الغذاء، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية وصلت إلى إلزام الموظفين غير الأساسيين بإجازات سنوية إجبارية لتقليل الضغط على حركة النقل.
تدابير حكومية: العمل عن بعد وإجازات إجبارية
في محاولة لترشيد ما تبقى من مخزونات، أصدرت السلطات الإثيوبية والشركات المملوكة للدولة توجيهات صارمة للحد من استهلاك الوقود.
وبحسب تقرير لمجموعة “إثيو الهندسية” نقلته “رويترز”، فقد أمر أكثر من 3000 موظف بالتحول إلى الاجتماعات الافتراضية واعتماد نظام النقل المشترك للرحلات الضرورية فقط.
وامتدت الإجراءات لتشمل القطاع العام بأكمله؛ حيث أفادت صحيفة “ذا ريبورتر” المحلية بأن الحكومة وجهت المؤسسات العامة بوضع الموظفين “غير الأساسيين” في إجازات سنوية فورية.
وتهدف هذه الخطوة إلى خفض الطلب على الحافلات ووسائل النقل العام التي تعاني أصلا من توقف شبه كامل لعدم توفر الديزل، مما جعل الوصول إلى مقرات العمل عبئا يفوق قدرة الدولة على توفير الطاقة اللازمة له.
فساد “منهجي” وتحقيقات تطال رؤوسا كبيرة
وبينما تلقي الحكومة باللوم جزئيا على الاضطرابات الإقليمية الناتجة عن التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، والتي أثرت على سلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز وميناء جيبوتي، إلا أن تقارير محلية كشفت عن “تخريب داخلي” واسع النطاق.
وأفادت صحيفة “أديس ستاندرد” بأن السلطات اعتقلت أكثر من 613 شخصا وصادرت نحو 448 ألف لتر من الوقود المهرب.
لكن الصدمة الأكبر تمثلت في وصول التحقيقات إلى قمة الهرم البيروقراطي للطاقة؛ حيث تنظر المحكمة الاتحادية العليا في قضية فساد تضم 14 مسؤولا رفيعا، من بينهم إسماعيل عليم مهريتو، الرئيس التنفيذي لشركة إمداد البترول الإثيوبية (EPSE).
وتكشف لائحة الاتهام عن شبكة إجرامية متطورة قامت بتدبير نقص مفتعل عبر تحويل 68 ناقلة وقود في شهر واحد فقط نحو قنوات التهريب والسوق السوداء، بدلا من تفريغها في المحطات العامة.
كما يتهم المسؤولون بتسهيل حصول 800 كيان وهمي أو غير مرخص على كميات ضخمة من الوقود، وتوجيه أصحاب المحطات بمنع الشاحنات من التفريغ لخلق “طوابير ذعر” ترفع الأسعار بشكل جنوني.
أصوات من “الطوابير”: معاناة تفوق الوصف
على الأرض، تحولت المدن الإثيوبية من أديس أبابا إلى ميكيلي وجيما إلى ساحات لانتظار لا ينتهي. في إقليم تيغراي، وصل اليأس بسائقي الحافلات إلى شراء 10 لترات من الديزل مقابل 8000 بر إثيوبي من الباعة المتجولين، بعد انتظار دام ساعات أمام المحطات الرسمية التي ينفد وقودها فجأة.
وبلغت الأزمة ذروتها بتهديد مستقبل جيل كامل؛ حيث أفادت الإدارة المؤقتة في تيغراي بأن أكثر من 36 ألف طالب كادوا أن يفقدوا فرصة أداء امتحاناتهم الوطنية بسبب انعدام الوقود اللازم لنقلهم إلى مراكز الامتحانات.
وفي مدن مثل “أمبو” و”بيشوفتو”، بات السائقون يقضون نصف يومهم في الانتظار والنصف الآخر في محاولة كسب لقمة العيش، في ظل مطالبة عمال المحطات برشى نقدية غير رسمية لتزويد السيارات بالوقود، مما جعل نظام الدفع الرقمي الإلزامي (Telebirr) عديم الجدوى.
المقامرة الاقتصادية والتحول الأخضر القسري
تأتي هذه الأزمة في وقت حساس تخوض فيه إثيوبيا “إصلاحا اقتصاديا كليا” مؤلما، شمل الرفع التدريجي للدعم الحكومي عن الوقود بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
وبحلول يونيو 2025، ألغت الحكومة دعم الديزل الأبيض، مما أدى لقفزة هائلة في الأسعار الرسمية (وصلت إلى 139.64 برا للتر)، بينما تجاوزت في السوق السوداء حاجز الـ 170 برا.
وفي محاولة لتصدير صورة إيجابية، حاولت وزارة النقل واللوجستيات تصوير الأزمة كحافز للانتقال نحو “السيارات الكهربائية”، واصفة إياها بـ “القرار الحكيم”.
لكن هذا الطرح قوبل بتهكم شعبي واسع؛ حيث تساءل المواطنون في “بيشوفتو”: “كيف نتحدث عن السيارات الكهربائية ونحن لا نجد الخبز لأن شاحنات نقل القمح متوقفة لعدم وجود وقود؟”.
الخلاصة: نظام تحت الاختبار
كشفت أزمة الوقود الحالية عن هشاشة الدولة الإثيوبية كدولة حبيسة تعتمد على مستورد رئيسي وحيد (EPSE) وممر لوجستي واحد تقريبا.
وبينما تسعى الحكومة لتنظيف صفوفها من الفساد المستشري وتجاوز تعقيدات الدبلوماسية الدولية في الشرق الأوسط، تظل إثيوبيا عالقة عند مفترق طرق خطير بين حرب إقليمية بعيدة لا تملك السيطرة عليها، وأزمة حكم محلية لم تنجح في التغلب عليها بعد، مما يترك 120 مليون نسمة في حالة ارتقاب وقلق لمستقبل يلفه الغموض.











