ليبيا تتحول إلى ساحة “حرب خفية” بين موسكو وكييف والمسيرات الأوكرانية تطارد “أسطول الظل” الروسي
طرابلس — في كشف صحفي مثير يسلط الضوء على تمدد الصراعات الدولية إلى القارة الأفريقية، كشف تحقيق استقصائي أجرته إذاعة فرنسا الدولية (RFI) عن كواليس “حرب خفية” تدور رحاها على الأراضي والمياه الليبية بين أوكرانيا وروسيا. وبحسب التحقيق، فإن الساحة الليبية لم تعد مجرد مسرح للصراعات المحلية، بل تحولت إلى قاعدة عمليات متقدمة للقوات الأوكرانية لاستهداف المصالح الروسية، وتحديدا “أسطول الشبح” الذي تستخدمه موسكو للالتفاف على العقوبات الدولية.
ضربة “أركتيك ميتاغاز”: الصاعقة الأوكرانية في البحر المتوسط
برزت ملامح هذه الحرب السرية بشكل جلي عقب تعرض ناقلة الغاز الطبيعي الروسية “أركتيك ميتاغاز” لهجوم عنيف بزورق مسير أوكراني الصنع انطلق من الأراضي الليبية. واتهمت موسكو رسميا الاستخبارات الأوكرانية والبريطانية بالوقوف وراء الهجوم الذي وقع قبالة السواحل الليبية في الرابع من مارس الماضي.
وتشير البيانات الميدانية التي فحصها الخبراء العسكريون إلى أن السفينة، التي كانت تحمل 100 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، استهدفت بطائرة مسيرة بحرية من طراز “ماغورا V5” (Magura V5)، وهو طراز أوكراني أثبت كفاءة عالية في معارك البحر الأسود. انطلق الزورق المسير من “قاعدة مليتة” الليبية، وضرب غرفة محرك الناقلة مباشرة، مما أدى إلى تعطلها بالكامل وإصابة اثنين من بحارتها.
خريطة الانتشار الأوكراني: ثلاثة مواقع استراتيجية
نقلت إذاعة فرنسا الدولية عن مصدرين ليبيين مطلعين أن هناك أكثر من 200 ضابط وخبير عسكري أوكراني منتشرين حاليا في ليبيا، وذلك بالتنسيق المباشر مع حكومة “الوحدة الوطنية الموقتة” برئاسة عبد الحميد الدبيبة. ويتمركز هذا الوجود العسكري في ثلاثة مواقع رئيسية:
أكاديمية القوات الجوية في مصراتة: وتعد المقر المبدئي للخبراء الأوكرانيين، ويضم المرفق قوات تركية وإيطالية وقوات من القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، بالإضافة إلى مركز استخباراتي بريطاني.
قاعدة الزاوية (قرب مجمع مليتة): قاعدة مجهزة بالكامل لإطلاق الطائرات المسيرة الجوية والبحرية، تطل مباشرة على البحر. وشهد الموقع أعمال تحصين وتجهيز بمدارج وهوائيات متطورة في أكتوبر ونوفمبر الماضي.
مقر اللواء 111 بطرابلس: يستخدم لعقد اجتماعات التنسيق بين القوات الأوكرانية والجيش الليبي في غرب البلاد، ويمثله عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع.
صفقة “الانتشار مقابل التدريب”: ما وراء الاتفاقية السرية
كشف التحقيق أن حكومة الدبيبة وقعت في أكتوبر الماضي اتفاقية مع مستشار عسكري أوكراني لإنشاء هذا الوجود العسكري. وبموجب الاتفاقية، تتلقى القوات التابعة لحكومة طرابلس تدريبات متقدمة على استخدام الطائرات المسيرة. وتتضمن البنود طويلة الأمد لهذه الشراكة صفقات لبيع الأسلحة الأوكرانية مستقبلا، واستثمارات أوكرانية في قطاع النفط الليبي، وهو ما يفسر الصمت الرسمي لحكومة الدبيبة أمام استجوابات البرلمان في بنغازي.
وكانت موسكو قد استبقت هذه التقارير باتهامات وجهتها للدبيبة في أكتوبر 2025، تتهمه فيها بدعم جماعات أوكرانية وتوفير مرافق لوجستية لها بدعم من الاستخبارات البريطانية، وهو ما يحول غرب ليبيا إلى منصة انطلاق لعمليات “الكوماندوز” الأوكرانية ضد الأصول الروسية في المتوسط.
عمليات سابقة ومقطع فيديو “السفينة المحترقة”
حادثة “أركتيك ميتاغاز” لم تكن الأولى؛ ففي 19 ديسمبر 2025، استهدفت مسيرة انطلقت من مصراتة ناقلة نفط تابعة للأسطول الشبح الروسي بين اليونان وليبيا. ونشرت كييف آنذاك مقطع فيديو قصيرا يظهر السفينة وهي تحترق في عرض البحر، في سابقة هي الأولى من نوعها خارج حوض البحر الأسود، مما يؤكد أن الاستخبارات الأوكرانية نقلت معركتها مع موسكو إلى المياه الدافئة في المتوسط.
كارثة بيئية وشيكة وقلق من “انتهاك السيادة”
ميدانيا، دخلت أزمة الناقلة “أركتيك ميتاغاز” مرحلة حرجة؛ حيث أعلن مركز تنسيق عمليات البحث والإنقاذ التابع لحرس السواحل الليبي، أمس الخميس، فشل عملية قطر الناقلة المنكوبة بسبب الظروف الجوية القاسية وارتفاع الأمواج لأكثر من سبعة أمتار.
وأكدت مصادر من المؤسسة الوطنية للنفط لـ “بوابة الوسط” أن حبل الجر انقطع، مما أدى إلى انجراف الناقلة بشكل كامل خارج السيطرة. هذا الوضع يثير مخاوف هائلة من وقوع كارثة بيئية وتلوث نفطي وغازي واسع النطاق يهدد السواحل الليبية والمنشآت النفطية القريبة.
ردود الفعل السياسية: حرب الوكالة تحرق ليبيا
أثارت هذه التسريبات موجة من التنديد السياسي داخل ليبيا، حيث اعتبر قادة سياسيون أن منح أراض لقوات أجنبية لتنفيذ عمليات عسكرية يمثل “انتهاكا صارخا لسيادة البلاد”.
وأدان البرلمان الليبي في بنغازي تحويل الأراضي الليبية إلى ساحة لـ “حرب بالوكالة” بين موسكو وكييف، محذرين من أن تورط حكومة طرابلس في هذا الصراع الدولي قد يجر الويلات على الشعب الليبي ويعرض مقدراته النفطية للخطر المباشر.
وبينما ترفض السلطات الأوكرانية التعليق، وتلتزم حكومة طرابلس الصمت المطبق، تظل الناقلة الروسية تائهة في عرض البحر، شاهدة على فصل جديد وخطير من فصول الصراع الروسي الأوكراني الذي لم يعد يعرف حدودا جغرافية، محولا شواطئ أفريقيا إلى جبهة قتال مفتوحة بالمسيرات والذكاء الاصطناعي.










