بكين تطرح مبادرة لوقف التصعيد وتأمين الملاحة، وسط تنافس متصاعد مع واشنطن على إدارة مسار الحرب وإعادة تشكيل موازين النفوذ في الشرق الأوسط
بكين – المنشر الإخبارى
في تحرك يعكس تحولًا لافتًا في الدور الصيني داخل الشرق الأوسط، دخلت الصين رسميًا على خط الحرب الدائرة في إيران، عبر مبادرة سياسية مشتركة مع باكستان تهدف إلى وقف العمليات العسكرية وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وخلال فترة زمنية قصيرة، لم تكتفِ بكين بطرح المبادرة نظريًا، بل نقلتها إلى مستوى التحرك الدبلوماسي الفعلي، عبر اتصالات مع أطراف دولية وإقليمية معنية بسوق الطاقة وأمن الملاحة، ما يشير إلى سعي صيني واضح للانتقال من موقع “المراقب الاقتصادي” إلى “الفاعل السياسي” في إدارة الأزمات الإقليمية.
وتتضمن المبادرة إطارًا من خمس نقاط، يرتكز على وقف إطلاق النار، وفتح مسار تفاوضي إقليمي، وضمان أمن الممرات البحرية، وتأمين تدفقات الطاقة، وهي عناصر تعكس أولويات الصين الاستراتيجية، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على واردات النفط من منطقة الخليج، حيث يأتي نحو 40% من احتياجاتها عبر هذا المسار الحيوي.
لكن هذا التحرك لا ينفصل عن سياق أوسع من التنافس الدولي، إذ أثار الدور الصيني تحفظات في واشنطن، التي تسعى إلى حصر دور بكين في الجوانب التقنية المرتبطة بأمن الملاحة، دون السماح لها بقيادة المسار السياسي للحرب. وقد تجلى هذا التباين في تأجيل قمة كانت مرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، على خلفية الخلاف حول حدود الدور الصيني في الأزمة.
في المقابل، تبدو بكين مصممة على توسيع نطاق تدخلها، انطلاقًا من قناعة بأن إدارة مسارات التفاوض تمنح نفوذًا طويل الأمد يتجاوز المكاسب الاقتصادية، وهو ما سعت إليه الولايات المتحدة لعقود عبر إدارتها لمفاوضات كبرى في المنطقة، من اتفاقيات السلام إلى الملف النووي الإيراني.
ويأتي هذا التوجه الصيني في وقت بالغ الحساسية، حيث يشكل أي تهديد لمضيق هرمز خطرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي، وعلى أمن الطاقة الصيني بشكل خاص، ما يدفع بكين إلى إعطاء أولوية قصوى لضمان استقرار الملاحة قبل الدخول في تعقيدات الحلول السياسية.
ورغم هذا الحراك، تواجه الصين تحديات كبيرة في دخول الملفات الأمنية المعقدة للمنطقة، في ظل تشابك المصالح الدولية، وارتباط عدد من القوى الإقليمية بتحالفات عسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى تحفظات بعض الأطراف، وعلى رأسها إسرائيل، تجاه أي دور دولي جديد في إدارة التوازنات الأمنية.
وفي هذا السياق، شدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي ونظيره الباكستاني محمد إسحق دار على ضرورة ضمان سلامة السفن والطواقم في مضيق هرمز، وتسريع استئناف حركة الملاحة الطبيعية، باعتبارها خطوة أساسية لاحتواء تداعيات الحرب.
ومع استمرار الصراع، يتزايد الإدراك بأن الحرب في إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى ساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، حيث تسعى الصين إلى تثبيت موقعها كلاعب سياسي رئيسي، مستفيدة من ثقلها الاقتصادي وعلاقاتها المتوازنة مع أطراف المنطقة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الوساطة الصينية أكثر من مجرد محاولة لوقف الحرب، إذ تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة بكين على التحول من شريك اقتصادي إلى صانع توازنات سياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.










