في كشف وصف بالمدمر والصادم، أصدر مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل الأمريكية تقريرا جديدا خلص فيه، “بدرجة عالية من الثقة”، إلى أن قاعدة عسكرية تابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية في مدينة “أسوسا” (منطقة بني شنقول-جوموز) تستخدم كمركز إمداد لوجستي وعسكري متطور لصالح قوات الدعم السريع السودانية.
ويضع هذا التقرير حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، وخلفها الدعم الإماراتي، في مواجهة مباشرة مع اتهامات التواطؤ في حرب السودان وانتهاك القرارات الدولية.
أدلة الأقمار الصناعية: نمط من “التواطؤ الممنهج”
اعتمد التقرير على تحليل دقيق لصور الأقمار الصناعية على مدار خمسة أشهر، موثقا نشاطا شاذا في قاعدة “أسوسا” مقارنة بـ 14 قاعدة إثيوبية أخرى. ورصد المحللون تدفقا مستمرا لناقلات سيارات تجارية زرقاء وبيضاء اللون، تقوم بتفريغ مئات “المركبات التقنية” (اللاندكروزر) والحاويات والخيام.
أبرز الأرقام المرصودة في 29 ديسمبر 2025 رصد 16 ناقلة سيارات و120 مركبة تقنية خفيفة، وفي 18 فبراير 2026 ارتفع العدد إلى 28 ناقلة، 200 مركبة، و12 حاوية شحن.
تعديلات عسكرية ميدانية: لاحظ المحللون وجود “أجسام داكنة” بطول 1.6 متر بالقرب من المركبات، تطابق مواصفات فوهات الرشاشات الثقيلة، مما يشير إلى أن القاعدة تستخدم كمركز تجميع وتحويل للمركبات المدنية إلى آليات قتالية قبل إرسالها إلى جبهات القتال في السودان.
إثيوبيا.. من الجار إلى “منصة الهجوم”
تكمن خطورة هذا الاكتشاف في كونه يقدم “أول دليل مرئي قاطع” على أن هجمات قوات الدعم السريع على ولاية النيل الأزرق السودانية تشن مباشرة من داخل الأراضي الإثيوبية.
وبحسب جامعة ييل، فإن المسافة بين قاعدة “أسوسا” ومدينة “كورموك” السودانية (أبرز خطوط المواجهة) لا تتعدى 100 كيلومتر، مما يجعل من الأراضي الإثيوبية عمقا استراتيجيا وقاعدة انطلاق لقوة متهمة بارتكاب أعمال إبادة جماعية.
ويشير التقرير إلى أن هذا النشاط يمثل خرقا صريحا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1591، الذي يحظر شحن الأسلحة للأطراف المتحاربة في دارفور والمناطق المتصلة بالنزاع.
إن حكومة آبي أحمد لم تعد تواجه انتقادات بسبب “الانتهازية السياسية” فحسب، بل باتت متهمة رسميا بتأجير جغرافيتها ومنشآتها العسكرية لتغذية آلة الحرب السودانية.
الحلقة المفقودة: التمويل الإماراتي وسلسلة التوريد
يطرح تقرير جامعة ييل تساؤلات حادة حول دور دولة الإمارات العربية المتحدة في تسهيل هذا الدعم. ورغم أن التقرير لا يدعي تقديم إجابة كاملة، إلا أنه يربط بين عملية “أسوسا” ونمط أوسع من تدفق المواد عبر ممرات الشرق، بما في ذلك الطرق المرتبطة بميناء “بربرة”.
وتشير التحليلات إلى وجود “شراكة سرية” قوامها: أموال ودعم لوجستي إماراتي، مقابل أراض وتسهيلات عسكرية إثيوبية، والنتيجة هي عنف وتدمير تقوده قوات الدعم السريع على الأرض. لقد أصبحت أبوظبي، وفقا لمراقبين، القوة التي تمول الحرب تحت ستار الدبلوماسية، بينما تعمل أديس أبابا كوكيل لوجستي يوفر الغطاء والمدخل البري.
زعزعة استقرار إقليمي مقنع
لا ينفصل دور إثيوبيا في السودان عن سياساتها المتهورة تجاه جيرانها الآخرين؛ فمن الضغط على سيادة الصومال، إلى خطاب التوسع البحري تجاه إريتريا، يبدو أن أديس أبابا تتبنى استراتيجية “زعزعة الاستقرار” لتعزيز نفوذها الإقليمي. إن تورط قيادة آبي أحمد في دعم ميليشيا متهمة بالفظائع يعني أنها لم تعد “ركيزة للنظام الإقليمي”، بل أصبحت جزءا من آلة التدمير العابرة للحدود.
مطالبات دولية: نهاية “وهم الحياد”
يختتم مختبر الأبحاث التابع لجامعة ييل تقريره بمطالبة المجتمع الدولي بضرورة الضغط على إثيوبيا للسماح بزيارة مستقلة لقاعدة “أسوسا” لتقصي الحقائق. ويشدد الخبراء على ضرورة تسمية الإمارات العربية المتحدة كطرف أساسي في هذه الشبكة، وعدم الاكتفاء بلوم الفاعلين المحليين.
إن هذا التقرير يضع حدا لوهم “الحياد”؛ فالحاويات لا تظهر صدفة في المواقع العسكرية، والرشاشات لا تركب على المركبات بالارتجال. هناك من مول، ومن سهل، ومن حمت سياسيا. وبينما ينزف السودان، يستمر وسطاء القوة الإقليمية في التلاعب باللوجستيات، متسترين خلف ستار كثيف من الدخان الدبلوماسي، حتى كشفتهم عدسات الأقمار الصناعية في “أسوسا”.
ملخص التقرير: يمثل نشاط قاعدة أسوسا الإثيوبية خرقا لقرار مجلس الأمن 1591 وتورطا مباشرا في دعم عمليات قوات الدعم السريع العسكرية في النيل الأزرق.










