رسائل ضغط مبكرة تربك الوساطة الباكستانية قبيل انطلاق المحادثات
إسلام آباد – المنشر الإخباري
قبل ساعات فقط من انطلاق جولة مفاوضات مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية، فجّر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف موقفًا تصعيديًا وضع العملية التفاوضية بأكملها أمام اختبار مبكر، بعدما أعلن شرطين واضحين لبدء أي حوار مباشر مع واشنطن: وقف إطلاق النار في لبنان، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
هذا التصريح لم يمر كإشارة دبلوماسية عابرة، بل جاء بمثابة “فيتو سياسي” يعيد رسم حدود التفاوض، ويضع سقفًا مرتفعًا يصعب تجاوزه دون تنازلات معقدة من الطرف الأمريكي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
شروط مسبقة أم إعادة تعريف للمفاوضات؟
بحسب ما نقلته تقارير دولية، فإن قاليباف شدد على أن أي انخراط مباشر مع الولايات المتحدة لن يتم قبل تنفيذ “إجراءات ملموسة”، في إشارة واضحة إلى الشرطين اللذين تعتبرهما طهران أساسًا لأي تفاوض.
لكن القراءة الأعمق لهذا الموقف تشير إلى أن إيران لا تضع مجرد شروط، بل تعيد تعريف إطار التفاوض نفسه. فبدلاً من الدخول في نقاشات تقليدية حول البرنامج النووي أو العقوبات، تحاول طهران فرض معادلة أوسع تربط بين:
• الوضع الميداني في لبنان
• التوازنات الإقليمية
• والملفات الاقتصادية العالقة
وهو ما يعكس تحولًا في الاستراتيجية الإيرانية من الدفاع إلى فرض الإيقاع التفاوضي.
لبنان في قلب المعادلة
يبرز الملف اللبناني كأحد أكثر النقاط حساسية في هذا التصعيد السياسي. إذ ترى طهران أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد “حزب الله” يمثل تقويضًا لأي تهدئة إقليمية، وبالتالي لا يمكن فصله عن مسار التفاوض مع واشنطن.
هذا الربط يحمل دلالات مهمة، أبرزها أن إيران تسعى إلى:
• تثبيت دورها كطرف مؤثر في المعادلة اللبنانية
• استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط تفاوضية
• ربط الأمن الإقليمي بمصالحها الاستراتيجية
في المقابل، تضع هذه المعادلة الولايات المتحدة أمام موقف معقد، حيث لا تملك السيطرة الكاملة على القرار الإسرائيلي، لكنها مطالبة – وفق الطرح الإيراني – بضمانات ميدانية لوقف التصعيد.
الأصول المجمدة.. ورقة الاقتصاد في قلب السياسة
الشرط الثاني الذي طرحه قاليباف يتعلق بالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وهو ملف يحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية متشابكة.
فبالنسبة لطهران، لا يمكن فصل التفاوض عن العقوبات والضغوط الاقتصادية التي أثّرت بشكل مباشر على الداخل الإيراني. وبالتالي، فإن طرح هذا الشرط قبل بدء الحوار يعكس رغبة في:
• تحقيق مكاسب ملموسة قبل أي تنازل
• اختبار جدية واشنطن في تخفيف الضغوط
• تحويل الملف الاقتصادي إلى أداة تفاوضية موازية
لكن من جهة أخرى، فإن الاستجابة لهذا الشرط تبدو معقدة بالنسبة للولايات المتحدة، نظرًا لارتباط الأصول المجمدة بإجراءات قانونية وسياسية متعددة، ما يجعل تحقيقه قبل التفاوض أمرًا صعبًا.
توقيت محسوب ورسائل متعددة
لا يمكن فصل توقيت تصريحات قاليباف عن السياق السياسي الأوسع. فإطلاق هذه الشروط قبل ساعات من وصول الوفود إلى إسلام آباد يحمل رسائل واضحة، أبرزها:
• رفع سقف التوقعات قبل بدء المفاوضات
• الضغط على الوساطة الباكستانية لإعادة ترتيب الأولويات
• إرسال إشارات داخلية تعكس موقفًا متشددًا أمام الرأي العام الإيراني
كما أن هذا التوقيت يعكس رغبة طهران في الدخول إلى طاولة الحوار من موقع قوة، وليس كطرف يسعى إلى التهدئة فقط.
الوساطة الباكستانية تحت الضغط
تجد باكستان نفسها في موقف حساس للغاية، إذ تسعى إلى لعب دور الوسيط المحايد بين طرفين يحملان أجندات متباينة ومعقدة.
لكن تصريحات قاليباف تضيف عبئًا إضافيًا على هذه الوساطة، حيث قد تؤدي إلى:
• تأخير انطلاق المفاوضات
• إعادة ترتيب جدول الأعمال
• زيادة الضغوط على الجانب الأمريكي
وفي حال فشل باكستان في احتواء هذا التصعيد، فقد تتحول المفاوضات إلى مجرد لقاءات شكلية دون نتائج حقيقية.
واشنطن أمام خيارات صعبة
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الشروط الإيرانية تضعها أمام معادلة دقيقة، حيث يتعين عليها الموازنة بين:
• الحفاظ على مسار التفاوض
• عدم تقديم تنازلات مبكرة
• إدارة علاقاتها مع الحلفاء الإقليميين
وفي ظل هذه المعادلة، قد تلجأ واشنطن إلى:
• تجاهل الشروط والدخول في التفاوض مباشرة
• تقديم إشارات جزئية دون التزام كامل
• أو تأجيل بعض الملفات إلى مراحل لاحقة
لكن أي من هذه الخيارات يحمل مخاطر قد تؤثر على مسار المحادثات.
هدنة هشة ومخاوف من الانهيار
تأتي هذه التطورات في ظل هدنة وُصفت بأنها “هشة”، حيث لا تزال الخلافات قائمة حول نطاقها، خاصة فيما يتعلق بالساحة اللبنانية.
ومع استمرار التصعيد الميداني، تزداد المخاوف من أن يؤدي أي تطور عسكري إلى:
• انهيار وقف إطلاق النار
• تعطيل المفاوضات
• توسيع نطاق الصراع الإقليمي
وهو ما يجعل من تصريحات قاليباف عاملًا إضافيًا يزيد من هشاشة الوضع.
هل نحن أمام تصعيد أم تكتيك تفاوضي؟
يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الشروط تصعيدًا حقيقيًا أم مجرد تكتيك تفاوضي؟
يرى مراقبون أن إيران قد تستخدم هذه الشروط كأداة لرفع سقف التفاوض، قبل الدخول في مرحلة مساومات تدريجية. وفي هذا السياق، قد تكون التصريحات جزءًا من لعبة تفاوضية معقدة تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل التنازلات.
لكن في المقابل، فإن استمرار التشدد قد يؤدي إلى تعطيل العملية التفاوضية بالكامل، خاصة إذا لم تجد هذه الشروط أي استجابة من الجانب الأمريكي.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
مع اقتراب انطلاق المحادثات في إسلام آباد، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل ساعات. فبدلاً من الدخول في أجواء تفاوضية هادئة، تجد الأطراف نفسها أمام:
• شروط مسبقة
• ضغوط متبادلة
• وملفات إقليمية متشابكة
وفي ظل هذا المشهد، تبقى كل الاحتمالات مفتوحة، بين:
• نجاح محدود يحقق تهدئة جزئية
• أو فشل يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد
لكن المؤكد أن تصريحات قاليباف وضعت المفاوضات منذ لحظتها الأولى على مسار صعب، حيث لا مجال للخطوات السهلة في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا على الساحة الدولية.










