مساعٍ لرفع التبادل التجاري مع باكستان إلى 10 مليارات دولار وتحول لافت في مسارات الترانزيت
طهران – المنشر الإخبارى
تشهد العلاقات الاقتصادية بين إيران وباكستان مرحلة إعادة تموضع واضحة، مع تحركات تهدف إلى رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 10 مليارات دولار، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في توسيع التعاون الاقتصادي وإعادة صياغة مسارات التجارة الإقليمية في جنوب آسيا وامتدادها نحو آسيا الوسطى.
هذا التحول لا يقتصر على أرقام التبادل التجاري فحسب، بل يمتد ليشمل تغييرات جوهرية في خريطة النقل البحري والبري، حيث بدأت إيران فعلياً في تقليص اعتمادها على بعض الموانئ التقليدية في المنطقة، وعلى رأسها موانئ الإمارات، لصالح ممرات جديدة تمر عبر الأراضي الباكستانية، في تطور يحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية في آن واحد.
إعادة توجيه التجارة: من الموانئ التقليدية إلى الممرات الجديدة
تأتي هذه التحركات في سياق توجه إيراني لإعادة تنظيم سلاسل الإمداد والتوريد، وتقليل الاعتماد على الموانئ التي شكلت لعقود طويلة بوابات رئيسية لحركة التجارة الإيرانية، وعلى رأسها ميناء جبل علي في دولة الإمارات العربية المتحدة، والذي كان يمثل مركزاً محورياً لإعادة التصدير والعبور التجاري.
وبحسب معطيات متداولة، فإن طهران تتجه تدريجياً إلى تعزيز استخدام الموانئ الباكستانية مثل كراتشي وغوادر وبندر قاسم، باعتبارها نقاط انطلاق جديدة لحركة البضائع، سواء المتجهة إلى الداخل الإيراني أو العابرة نحو أسواق أخرى في المنطقة.
هذا التحول يعكس رغبة واضحة في تنويع الشراكات اللوجستية، وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية تعتبرها طهران أكثر عرضة للتأثر بالتغيرات السياسية أو القيود الاقتصادية الدولية.
الممر الباكستاني: بوابة جديدة للتجارة الإقليمية
في إطار هذا التوجه، تعمل باكستان على تفعيل مسارات برية رسمية تربط موانئها الاستراتيجية بالحدود الإيرانية، عبر نقاط عبور رئيسية مثل غبد وتفتان، بما يسمح بمرور البضائع القادمة من دول ثالثة نحو الأراضي الإيرانية بشكل منظم وقانوني.
ويمثل هذا المسار الجديد تطوراً مهماً في البنية التجارية للمنطقة، حيث لا يقتصر دوره على تسهيل حركة التجارة الثنائية بين إيران وباكستان، بل يمتد ليشكل حلقة وصل بين جنوب آسيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ما يعزز من أهمية الموقع الجغرافي للبلدين في شبكات التجارة العالمية.
كما أن هذا التوجه يستند إلى اتفاقيات ثنائية سابقة في مجال النقل والترانزيت، ما يمنحه إطاراً قانونياً يدعم استمراريته وتوسعه خلال السنوات المقبلة.
التحول من “جبل علي” إلى البدائل الباكستانية
اعتماد إيران التاريخي على الموانئ الإماراتية، وخاصة جبل علي، جعلها جزءاً أساسياً من منظومة التجارة الإقليمية، حيث كانت تمر عبره نسبة كبيرة من الواردات وإعادة التصدير. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات في طبيعة هذا الاعتماد، نتيجة اعتبارات تتعلق بالأمن التجاري والضغوط الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.
هذا الواقع دفع طهران إلى البحث عن بدائل أكثر تنوعاً واستقراراً، ما فتح الباب أمام الموانئ الباكستانية لتلعب دوراً متزايد الأهمية في حركة التجارة الإيرانية، سواء من حيث الاستيراد أو التصدير أو الترانزيت.
ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره محاولة لإعادة توزيع المخاطر التجارية، وتقليل الاعتماد على نقطة محورية واحدة في سلاسل الإمداد، بما يعزز من مرونة الاقتصاد الإيراني في مواجهة التحديات الخارجية.
أبعاد جيوسياسية تتجاوز الاقتصاد
لا يمكن فصل هذا التحول التجاري عن السياق الجيوسياسي الأوسع في المنطقة، حيث يمثل التقارب الإيراني الباكستاني جزءاً من إعادة تشكيل أوسع لموازين التجارة والنفوذ في آسيا.
فالموقع الجغرافي لإيران يمنحها دوراً محورياً كحلقة وصل بين الشرق والغرب، بينما توفر باكستان منفذاً استراتيجياً على المحيط الهندي، ما يجعل التكامل بين البلدين ذا قيمة استراتيجية تتجاوز مجرد التبادل التجاري التقليدي.
كما أن هذا المسار يفتح المجال أمام باكستان لتعزيز وصولها إلى أسواق آسيا الوسطى والقوقاز عبر الأراضي الإيرانية، وهو ما يعزز من مكانتها كممر تجاري إقليمي مهم في السنوات المقبلة.
هدف الـ10 مليارات دولار: طموح اقتصادي قابل للاختبار
استهداف رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار يعكس مستوى الطموح في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لكنه في الوقت نفسه يضع هذه الخطط أمام مجموعة من التحديات العملية التي تتعلق بقدرة البنية التحتية الحالية على استيعاب هذا التوسع.
ومن أبرز هذه التحديات الحاجة إلى تحسين شبكات النقل البري، وتطوير الموانئ، وتسهيل الإجراءات الجمركية، إلى جانب توفير بيئة آمنة ومستقرة لحركة البضائع عبر الحدود.
كما أن نجاح هذا المشروع يعتمد بشكل كبير على مدى انخراط القطاع الخاص في كلا البلدين، وقدرته على الاستفادة من هذه الممرات الجديدة في عمليات الاستيراد والتصدير.
الارتباط بالمشاريع الكبرى في المنطقة
يمتد تأثير هذا الممر التجاري الجديد ليشمل ارتباطه بمشاريع إقليمية ودولية أوسع، مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، الذي يعد أحد أبرز مشاريع البنية التحتية في المنطقة، ويهدف إلى ربط الصين بالمحيط الهندي عبر شبكة من الطرق والموانئ وخطوط الطاقة.
هذا الارتباط يمنح المشروع بعداً إضافياً يتجاوز العلاقات الثنائية، ليصبح جزءاً من شبكة تجارة عالمية أوسع تشمل مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهو ما يعزز من أهمية هذا التحول في السياق الاقتصادي الدولي.











