فايننشال تايمز: محادثات بكين كشفت تحولات لافتة في الموقف الصيني من الحرب الأوكرانية وإشارات إلى إعادة رسم ملامح التوازنات الدولية
واشنطن – المنشر الإخبارى
كشف تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن تفاصيل جديدة تتعلق بلقاء جمع بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خلال قمة عقدت في العاصمة الصينية بكين الأسبوع الماضي، مشيرًا إلى أن شي أدلى بتصريحات غير معتادة بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا، قال فيها إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد ينتهي به الأمر إلى الندم على قراره شن الغزو.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مصادر أمريكية مطلعة على تقييمات اللقاء، فإن هذا التصريح جاء ضمن سلسلة من المباحثات الواسعة التي تناولت الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على الأمن الدولي، إلى جانب ملفات سياسية واقتصادية حساسة أخرى تتعلق بالعلاقات بين القوى الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة والصين وروسيا.
وتشير المصادر إلى أن نبرة شي جين بينغ خلال المحادثات بدت أكثر وضوحًا وحدّة مقارنة بمواقفه السابقة، حيث كان قد ناقش ملف الحرب الأوكرانية في لقاءات سابقة مع الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس جو بايدن، لكن تلك النقاشات وُصفت حينها بأنها “صريحة ولكن محسوبة”، دون أن تتضمن تقييمات مباشرة أو انتقادات ضمنية لقرارات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
في المقابل، يرى مراقبون أن الإشارة الجديدة التي نقلتها الصحيفة تعكس درجة متقدمة من التعقيد في موقف بكين، الذي يسعى في الوقت نفسه للحفاظ على شراكته الاستراتيجية مع موسكو، وعدم خسارة علاقاته الاقتصادية والسياسية مع الغرب، في ظل تصاعد التوترات الدولية منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022.
كما أشار التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب طرح خلال الاجتماعات فكرة مثيرة للجدل، تتعلق بإمكانية تعاون مشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أن هذه الدول الثلاث تشترك في مصالح استراتيجية قد تجعلها في موقف موحد ضد ما وصفه بـ”تسييس العدالة الدولية”.
ولم يوضح التقرير ما إذا كانت هذه الفكرة قد لاقت أي تفاعل مباشر من الجانب الصيني، إلا أن طرحها يعكس، بحسب محللين، محاولة لإعادة صياغة بعض قواعد التوازن الدولي خارج الأطر التقليدية التي يقودها الغرب، خصوصًا في ظل حالة الانقسام الحاد في النظام العالمي.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، حيث يستعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة رسمية إلى الصين للمشاركة في قمة ثنائية رفيعة المستوى، تتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين موسكو وبكين، وهي الاتفاقية التي أرست الأساس للشراكة الاستراتيجية بين البلدين في بداية الألفية الجديدة.
وتُعد هذه الزيارة ذات أهمية خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة، إذ يسعى الطرفان إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والدفاع، في وقت تواجه فيه روسيا عزلة غربية متزايدة نتيجة الحرب في أوكرانيا، بينما تواصل الصين تعزيز موقعها كقوة عالمية صاعدة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ الدولي.
ويشير التقرير إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية، التي بدأت عام 2022، تحولت خلال السنوات الأربع الماضية إلى صراع طويل الأمد اتسم بالاستنزاف العسكري والاقتصادي، مع تغيرات كبيرة في طبيعة المواجهات، أبرزها الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية الحديثة، خصوصًا من الجانب الأوكراني.
هذا التحول في طبيعة الحرب، بحسب مراقبين عسكريين، أعاد تشكيل قواعد الاشتباك التقليدية، وجعل من الصراع ساحة اختبار لتقنيات عسكرية متطورة أثرت على ميزان القوى بين الطرفين دون تحقيق حسم نهائي حتى الآن.
كما أشار التقرير إلى أن جهود الوساطة والتهدئة، بما في ذلك بعض المبادرات لوقف إطلاق نار مؤقت، لم تنجح في الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، رغم أنها ساهمت في تقليل حدة التصعيد في فترات محدودة، ما يعكس صعوبة التوصل إلى حل نهائي في ظل تعقيدات الملف وتداخل المصالح الدولية فيه.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن تصريحات شي جين بينغ، كما وردت في التقرير، قد تحمل دلالات سياسية أعمق تتعلق بمستقبل العلاقة بين بكين وموسكو، خاصة إذا ما استمرت الحرب في إطالة أمدها وتزايدت تكلفتها الاقتصادية والعسكرية على روسيا.
كما تعكس هذه التطورات، وفقًا لمراقبين، مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات الدولية، حيث لم تعد العلاقات بين القوى الكبرى ثابتة أو تقليدية، بل أصبحت أكثر مرونة وتعقيدًا، تحكمها اعتبارات المصالح المباشرة والتوازنات المتغيرة على الساحة العالمية.
ويخلص التقرير إلى أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد صراع إقليمي، بل تحولت إلى ملف مركزي في إعادة صياغة النظام الدولي، في ظل تداخل الأدوار بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، ومحاولات كل طرف لتعزيز نفوذه في عالم يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية وعدم الاستقرار.









