الغارات الإسرائيلية تتواصل رغم إعلان وقف إطلاق النار وحزب الله يرفض شروط الهدنة وسط مخاوف من عودة الحرب إلى نقطة الصفر
بيروت – المنشر_الاخباري
عاد شبح التصعيد العسكري ليخيّم على جنوب لبنان بعد ساعات فقط من الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار، إثر مقتل أربعة أشخاص في غارات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في الجنوب، في مؤشر جديد على هشاشة التفاهمات التي سعت الأطراف الدولية إلى فرضها لاحتواء المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل وحزب الله.
وأفادت مصادر لبنانية بأن الغارات الإسرائيلية استهدفت بلدات في محافظتي النبطية وبنت جبيل، ما أسفر عن سقوط قتلى وإصابات، بينما شهدت المناطق المستهدفة حالة من التوتر الشديد وسط تحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي واستمرار التحذيرات العسكرية للسكان.
وتأتي هذه التطورات رغم الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية ووافقت عليه الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية قبل يومين، والذي نص على وقف العمليات القتالية وإعادة الهدوء إلى الجبهة الجنوبية التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى واحدة من أكثر بؤر التوتر سخونة في الشرق الأوسط.
لكن الاتفاق واجه أزمة مبكرة بعدما أعلن حزب الله رفضه الالتزام بالصيغة المطروحة، معتبراً أنها لا تحقق الشروط الأساسية المطلوبة لوقف الحرب، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف جميع العمليات العسكرية على الأراضي اللبنانية.
ومع استمرار القصف، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء عاجلة لسكان عدد من القرى والبلدات الجنوبية، مطالباً المدنيين بمغادرة مناطقهم فوراً والابتعاد عن المواقع التي قد تشهد عمليات عسكرية خلال الساعات المقبلة.
وأدت التحذيرات إلى موجة نزوح جديدة، حيث غادرت عشرات العائلات منازلها باتجاه مناطق أكثر أمناً، في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات المواجهات التي أدت إلى تهجير أعداد كبيرة من سكان الجنوب خلال الأشهر الأخيرة.
ويقول مراقبون إن استمرار الضربات العسكرية بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار يضع مصداقية الاتفاق على المحك، ويعكس حجم الفجوة بين التفاهمات السياسية والواقع الميداني الذي لا يزال تحكمه الحسابات العسكرية المتبادلة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه إسرائيل أنها ستواصل استهداف ما تصفه بالبنية العسكرية لحزب الله، يتمسك الحزب بموقفه الرافض لأي ترتيبات لا تتضمن وقفاً شاملاً للعمليات الإسرائيلية وانسحاباً من المناطق التي شهدت توغلات خلال الحرب.
وتزامن التصعيد الجديد مع تحذيرات إنسانية متزايدة من تدهور الأوضاع المعيشية في لبنان، خصوصاً في الجنوب الذي تعرض لأضرار واسعة في البنية التحتية والخدمات الأساسية نتيجة القصف المتبادل.
وأشارت تقديرات منظمات دولية إلى أن أكثر من مليون شخص في لبنان باتوا مهددين بانعدام الأمن الغذائي، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية والمالية منذ عقود، ما يجعل أي تصعيد جديد أكثر خطورة على الوضع الداخلي.
سياسياً، تحاول الولايات المتحدة إنقاذ اتفاق التهدئة ومنع انهياره الكامل، وسط اتصالات مكثفة مع الأطراف المعنية. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هناك تقدماً في الجهود الرامية إلى إنهاء القتال، مشيراً إلى استمرار التواصل مع المسؤولين الإسرائيليين والأطراف اللبنانية للوصول إلى صيغة أكثر استقراراً.
غير أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن فرص تثبيت الهدنة لا تزال محدودة، خاصة مع استمرار تبادل الرسائل العسكرية بين الطرفين، وتزايد الشكوك حول إمكانية التوصل إلى تسوية دائمة في ظل غياب توافق واضح بشأن القضايا الأساسية محل الخلاف.
ويرى محللون أن الجنوب اللبناني يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما نجاح الضغوط الدولية في تثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، أو انهيار التهدئة بالكامل وعودة المواجهات إلى مستويات أكثر خطورة قد تدفع المنطقة إلى جولة جديدة من الحرب المفتوحة.
ومع استمرار القصف وسقوط الضحايا وتدفق النازحين، تبدو الساعات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار سيمثل بداية لمرحلة من التهدئة، أم مجرد محطة قصيرة في مسار صراع لا يزال بعيداً عن نهايته.










