انفجارات وحرائق في منشآت طاقة روسية وسط تصاعد الحرب الجوية وتوسّع ضربات البنية التحتية بين موسكو وكييف
موسكو – المنشر الإخباري
في تصعيد يُعد من الأعنف منذ سنوات، شهدت العاصمة الروسية موسكو هجوماً واسع النطاق بطائرات مسيّرة، قالت تقارير إعلامية روسية إنه استهدف منشآت حيوية، من بينها مصفاة نفط رئيسية في محيط المدينة، ما أدى إلى انفجارات كبيرة واندلاع حرائق في مواقع متعددة، وسط حالة استنفار أمني غير مسبوقة.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام روسية، فإن الهجوم الذي وقع فجر الخميس يُعتبر الأكبر من نوعه منذ نحو عامين، سواء من حيث عدد الطائرات المسيّرة المستخدمة أو نطاق الأهداف التي طالتها الضربات. وأشارت التقارير إلى أن الدفاعات الجوية الروسية تعاملت مع موجات متتابعة من الطائرات المسيّرة التي اقتربت من العاصمة، في وقت وصف بأنه من أكثر الليالي توتراً في محيط موسكو منذ بداية التصعيد.
وبحسب بيانات رسمية نقلتها وكالة “تاس”، فقد تمكنت أنظمة الدفاع الجوي من إسقاط عشرات الطائرات المسيّرة قبل وصولها إلى أهدافها داخل المدينة، فيما استمرت عمليات الاعتراض لساعات طويلة. كما أفادت تقارير أخرى بأن إجمالي ما تم اعتراضه خلال الهجوم الواسع على الأراضي الروسية تجاوز مئات الطائرات المسيّرة، ما يعكس حجم العملية واتساع نطاقها الجغرافي.
الهجوم الذي طال منشآت للطاقة والبنية التحتية لم يقتصر على العاصمة وحدها، إذ أشارت مصادر محلية إلى تسجيل حوادث متفرقة في ضواحي موسكو ومناطق قريبة، شملت أضراراً في مبانٍ سكنية ومنشآت صناعية ومراكز خدمية. كما تحدثت التقارير عن سقوط حطام طائرات مسيّرة في أكثر من موقع، ما تسبب في حرائق محدودة تم التعامل معها من قبل فرق الطوارئ.
وفي قلب الحدث، برزت مصفاة نفط في منطقة جنوب شرقي موسكو كأحد أبرز المواقع المستهدفة، حيث أظهرت مقاطع مصورة تم تداولها على نطاق واسع تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان الأسود، تزامناً مع وقوع انفجارات عنيفة داخل المجمع الصناعي. كما أظهرت بعض المقاطع لحظة انفجار كبير أدى إلى تطاير أجزاء من المنشأة، في مشهد يعكس قوة الضربة وحجم الطاقة الانفجارية المستخدمة.
وأفادت مصادر إعلامية بأن السلطات الروسية علّقت حركة الملاحة الجوية مؤقتاً في عدد من مطارات العاصمة كإجراء احترازي، قبل أن تعود الحركة تدريجياً بعد السيطرة على الوضع الأمني. كما جرى رفع حالة التأهب في محيط العاصمة، مع تعزيز انتشار وحدات الدفاع الجوي ونقاط المراقبة الرادارية تحسباً لأي هجمات إضافية.
ويأتي هذا الهجوم في وقت تشهد فيه الحرب بين روسيا وأوكرانيا تصعيداً متواصلاً على جبهات متعددة، حيث كثّفت كييف خلال الفترة الأخيرة من استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى لاستهداف منشآت الطاقة داخل العمق الروسي، في محاولة لإضعاف القدرات اللوجستية والاقتصادية لموسكو.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن استهداف البنية التحتية للطاقة بات أحد المحاور الرئيسية في الاستراتيجية الأوكرانية خلال المرحلة الحالية، خاصة مع تزايد أهمية هذه المنشآت في تمويل المجهود الحربي الروسي. في المقابل، تؤكد موسكو أن دفاعاتها الجوية باتت أكثر قدرة على التصدي لهذه الهجمات، رغم استمرار وقوع أضرار متفرقة بين الحين والآخر.
من جهة أخرى، تزامن الهجوم مع تحركات دبلوماسية وعسكرية مكثفة على المستوى الدولي، حيث تتواصل اجتماعات حلف شمال الأطلسي وعدد من القوى الغربية لبحث سبل دعم الدفاعات الجوية الأوكرانية وتعزيز قدراتها في مواجهة الردود الروسية. ويعكس هذا التزامن، بحسب محللين، اتساع رقعة المواجهة غير المباشرة بين روسيا والغرب، حتى وإن بقيت ضمن إطار “حرب الظل” عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى.
وفي السياق ذاته، تحدثت تقارير عسكرية عن أن الهجمات الأخيرة على موسكو تحمل رسائل استراتيجية تتجاوز الجانب العسكري المباشر، إذ تهدف إلى إظهار قدرة أوكرانيا على الوصول إلى عمق الأراضي الروسية، وإرباك منظومة الدفاع الجوي في واحدة من أكثر المناطق تحصيناً في البلاد.
كما يرى مراقبون أن هذا النوع من العمليات يهدف أيضاً إلى زيادة الضغط الداخلي على الحكومة الروسية، سواء من خلال التأثير على البنية التحتية الاقتصادية أو عبر خلق حالة من القلق الأمني داخل العاصمة، التي تُعد رمزاً سياسياً وإدارياً بالغ الحساسية.
ورغم حجم الهجوم، تؤكد السلطات الروسية أن الوضع تحت السيطرة، وأن فرق الطوارئ تمكنت من احتواء الحرائق وإصلاح الأضرار الأولية في المواقع المتضررة. كما شددت على أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد مسارات الطائرات المسيّرة والجهات المسؤولة عن تنفيذ العملية.
في المقابل، لم تصدر كييف بياناً تفصيلياً حول العملية حتى لحظة نشر التقارير، إلا أن مسؤولين أوكرانيين كانوا قد ألمحوا في مناسبات سابقة إلى أن استهداف البنية التحتية العسكرية والطاقية داخل روسيا يأتي في إطار “الدفاع المشروع” وردع الهجمات المتواصلة على الأراضي الأوكرانية.
وبينما تتضارب الروايات بين الطرفين، تبقى صورة المشهد العسكري أكثر تعقيداً، مع استمرار الحرب في التحول إلى صراع طويل الأمد يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الحديثة والطائرات المسيّرة، بدلاً من المواجهات التقليدية المباشرة.
وفي ظل هذا التصعيد، يحذر خبراء من أن استمرار استهداف المنشآت الحيوية في العمق الروسي قد يؤدي إلى موجات رد أكبر خلال الفترة المقبلة، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد المتبادل، قد تمتد آثارها إلى خارج حدود البلدين.
وبذلك، يعكس الهجوم الأخير على موسكو ليس فقط تطوراً في أدوات الحرب، بل أيضاً تحوّلاً في طبيعة الصراع نفسه، الذي بات يعتمد على الضربات الدقيقة بعيدة المدى، والحرب غير المتكافئة التي تمزج بين التكنولوجيا والاستخبارات والرسائل السياسية المباشرة.
ويأتي هذا التصعيد في سياق حرب مستمرة بين روسيا وأوكرانيا دخلت مرحلة أكثر تعقيداً خلال الأشهر الأخيرة، مع توسع نطاق الاستهداف المتبادل، وارتفاع وتيرة الهجمات على منشآت الطاقة والنقل داخل الأراضي الروسية والأوكرانية على حد سواء.
ومع استمرار العمليات العسكرية وتزامنها مع التحركات الدبلوماسية الدولية، يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد أو محاولات احتواء عبر القنوات السياسية، في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى تسوية نهائية.










