رئيس البرلمان الإيراني يبرز كأقوى مرشح لقيادة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة.. وصراع داخلي يحدد شكل القرار الإيراني المقبل
طهران -المنشر_الاخباري
في لحظة سياسية فارقة تمر بها إيران، ومع استمرار إعادة تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط بعد أشهر من التصعيد العسكري غير المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يتقدم اسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى صدارة المشهد بوصفه المرشح الأبرز لقيادة المرحلة المقبلة من المفاوضات الحساسة مع واشنطن.
الرجل الذي يجمع بين خلفية عسكرية داخل الحرس الثوري الإيراني وتجربة سياسية ممتدة داخل مؤسسات الدولة، بات يُنظر إليه داخل دوائر القرار في طهران باعتباره “نقطة التوازن” بين التيارات المتصارعة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى شخصية قادرة على إدارة ملف بالغ التعقيد يتقاطع فيه الأمني بالنووي، والاقتصادي بالإقليمي.
وبحسب ما تنقله تحليلات سياسية غربية، فإن قاليباف لم يعد مجرد رئيس للبرلمان، بل أصبح أحد أهم الأسماء المطروحة لإدارة قنوات التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة، خاصة بعد التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة، والتي أعادت ترتيب أولويات النظام الإيراني داخلياً وخارجياً.
ويأتي هذا الصعود في وقت تعيش فيه طهران مرحلة إعادة تموضع استراتيجية، بعد خسائر بشرية وعسكرية وسياسية طالت مستويات عليا في هرم القيادة، ما فتح الباب أمام إعادة توزيع الأدوار داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً بين التيار المحافظ التقليدي والحرس الثوري من جهة، والتيارات الإصلاحية التي ما زالت تدفع باتجاه الانفتاح الدبلوماسي من جهة أخرى.
قاليباف، الذي شغل سابقاً مناصب عسكرية رفيعة من بينها قيادة سلاح الجو في الحرس الثوري، يُنظر إليه داخل الأوساط المحافظة باعتباره شخصية “موثوقة أمنياً” لكنها في الوقت ذاته أكثر مرونة مقارنة بالخطوط الصلبة داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما جعله مقبولاً نسبياً كحل وسط في ملفات التفاوض الحساسة.
وتشير مصادر تحليلية إلى أن الرجل لعب بالفعل أدواراً غير معلنة في قنوات اتصال سابقة مع الجانب الأمريكي، شملت اجتماعات مباشرة وغير مباشرة، من بينها لقاءات رفيعة المستوى في دولة ثالثة، وصفت بأنها الأعلى تمثيلاً منذ سنوات طويلة بين الطرفين، ما يعكس وجود تحول تدريجي في طبيعة إدارة الملف الإيراني الأمريكي.
ورغم ذلك، تبقى الثقة بين الجانبين في أدنى مستوياتها، إذ لا تزال الملفات العالقة—وفي مقدمتها البرنامج النووي، والعقوبات الاقتصادية، والنفوذ الإقليمي الإيراني—تشكل عوائق رئيسية أمام أي اختراق دبلوماسي حقيقي، في ظل اختلاف جذري في تعريف “التنازلات المقبولة” لدى كل طرف.
داخل إيران، لا يبدو الطريق أمام قاليباف سهلاً، فالرجل يقف في قلب شبكة معقدة من التوازنات الداخلية، حيث يتعين عليه إقناع جناح الحرس الثوري الأكثر تشدداً بجدوى أي اتفاق محتمل مع واشنطن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دعم الرئيس الإيراني والتيارات الإصلاحية التي ترى في التفاوض فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية الخانقة.
هذا التوازن الدقيق يجعل من قاليباف شخصية “اختبار” حقيقي لمستقبل السياسة الإيرانية الخارجية، إذ يرى مراقبون أنه إذا نجح في تثبيت موقعه كمفاوض رئيسي، فقد يتحول إلى أحد أبرز مهندسي المرحلة القادمة من العلاقة مع الغرب، أما إذا فشل في إدارة التناقضات الداخلية، فقد يتراجع الملف مجدداً إلى دوائر الصراع التقليدية داخل النظام.
وفي خلفية المشهد، تلعب التطورات الإقليمية دوراً لا يقل أهمية، حيث تتابع أطراف دولية عدة، من بينها قوى أوروبية ودول الخليج، مسار أي تقارب محتمل بين طهران وواشنطن، لما له من تأثير مباشر على أمن الطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي.
كما أن واشنطن، وفق تقديرات سياسية، تبدو في مرحلة إعادة تقييم أدواتها التفاوضية مع إيران، بعد سنوات من التصعيد والعقوبات والعمليات العسكرية غير المباشرة، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة صياغة شكل التفاوض، سواء عبر وسطاء أو عبر شخصيات ذات ثقل مؤسسي داخل النظام الإيراني مثل قاليباف.
لكن رغم هذا الزخم، لا تزال الصورة النهائية غير واضحة، فحتى الآن لم يصدر إعلان رسمي يحدد بشكل قاطع هوية “المفوض الأعلى” في المفاوضات المقبلة، ما يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات متعددة، تتراوح بين تكريس قاليباف كوجه تفاوضي أساسي، أو عودة الملف إلى وزارة الخارجية بقيادة عباس عراقجي، أو حتى توزيع الأدوار بين أكثر من مركز قرار داخل الدولة الإيرانية.
ومع استمرار هذا الغموض، يبقى المؤكد أن إيران تدخل مرحلة جديدة من إدارة ملفاتها الخارجية، حيث لم تعد القرارات تُصنع في إطار مؤسسي واحد، بل ضمن شبكة معقدة من التوازنات بين البرلمان والحكومة والحرس الثوري ومكتب المرشد.
وبين كل هذه التداخلات، يبرز اسم قاليباف كأحد أكثر اللاعبين تأثيراً في اللحظة الراهنة، ليس فقط لأنه في قلب المفاوضات، بل لأنه يعكس التحول الأعمق في بنية القرار الإيراني نفسه، حيث تمتزج الخبرة العسكرية بالحسابات السياسية والدبلوماسية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
وفي ظل استمرار الترقب الدولي، يبقى السؤال الأهم مفتوحاً: هل يكون قاليباف بالفعل “رجل إيران” في مفاوضات واشنطن القادمة، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد ظهور لاعب جديد يعيد رسم خريطة التفاوض من جديد؟










