تتصاعد المخاوف الدولية والإنسانية بشأن مصير مدينة الأبيض، المركز التجاري الاستراتيجي في قلب السودان، مع تزايد مؤشرات تحضير قوات الدعم السريع لشن هجوم واسع النطاق للسيطرة عليها في استعدادت الجيش السوداني لصد الهجوم المحتل.
مدينة الأبيض، التي يقطنها نحو 500 ألف نسمة وتستضيف الفرقة الخامسة للمشاة التابعة للجيش السوداني (الحاجانة)، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة عسكرية معقدة قد تغير وجه الحرب المستمرة منذ عام 2023.
الأبيض: أهمية استراتيجية وذاكرة حصار
تعد مدينة الأبيض شريان الحياة الرابط بين كردفان ودارفور والنيل الأبيض وولاية الخرطوم. منذ بداية النزاع، سعت قوات الدعم السريع لعزل المدينة عبر السيطرة على الطرق والبلدات المحيطة بها، لكنها تجنبت اقتحامها في مراحلها الأولى لتركز جهودها على العاصمة.
ورغم النجاح النسبي الذي حققه الجيش السوداني عام 2025 في فك الحصار وإعادة فتح طرق الإمداد، إلا أن الأوضاع الميدانية تدهورت في الأشهر الأخيرة مع فقدان الجيش لمعظم الأراضي التي استعادها سابقا، وتراجع قواته إلى قلب المدينة.
وتؤكد التقارير الميدانية ومقاطع الفيديو الحديثة نشاطا مكثفا لقوات الدعم السريع جنوب وشمال مدينة الأبيض، خاصة بالقرب من مدينة “بارا”، مما يشير إلى محاولات جادة لتعزيز الطوق العسكري حول المدينة وقطع طرق التجارة والتمويل، بهدف إضعاف الاقتصاد المحلي والحامية العسكرية.
تداعيات السقوط: أكثر من مجرد خسارة عسكرية
إن سقوط الأبيض في يد قوات الدعم السريع، إذا حدث، سيمثل تحولا استراتيجيا خطيرا، إذ سيجعل حاميات الجيش في ديلينغ وكادوقلي في وضع هش للغاية، كما سيعيد قوات الدعم السريع للتموضع على مقربة من النيل الأبيض والعاصمة، وهو ما يهدد بانهيار الرواية السياسية للجيش السوداني التي طالما روجت لنصر وشيك وقرب انتهاء التمرد.
وبالنسبة للكثير من السودانيين، يمثل هذا الهجوم تحديا للرواية التي اعتبرت سقوط الخرطوم والانسحابات السابقة لقوات الدعم السريع نقطة تحول حاسمة نحو الهزيمة الكاملة للمتمردين.
نذير كارثة إنسانية: “الأبيض ليست الفاشر”
تتزايد التحذيرات الدولية من تكرار سيناريو “الفاشر”، التي شهدت حصارا مريرا انتهى بفظائع واسعة النطاق شملت عمليات إعدام، واستهدافا للمستشفيات، ونزوحا جماعيا.
الاتحاد الأوروبي ودبلوماسيون غربيون حذروا بوضوح من أن “الأبيض يجب ألا تتحول إلى الفاشر”، معربين عن قلقهم البالغ من تعريض 500 ألف مدني، بينهم أكثر من 100 ألف نازح، لخطر مباشر.
ويفاقم الوضع الإنساني المأساوي أصلا في كردفان الكبرى إغلاق الطرق وتدمير البنية التحتية، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية وخطر المجاعة المحدق. ومع رفض الجيش السوداني لأي مبادرات دبلوماسية أو تفاوضية، مفضلا خيار الحسم العسكري، يظل المدنيون في مدينة الأبيض عالقين بين مطرقة العمليات العسكرية وسندان الحصار الاقتصادي.
إن الأيام القادمة ستحمل معها اختبارا حقيقيا للمجتمع الدولي وقدرته على منع كارثة إنسانية جديدة، بينما يراقب العالم بقلق ما إذا كان بإمكان مدينة الأبيض الصمود في وجه التصعيد المتزايد، أم أنها ستنضم إلى سلسلة المدن السودانية التي دمرتها سنوات الحرب الطويلة.










