كشف تحقيق استقصائي موسع نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية، يوم الأحد 27 يوليو، عن تفاصيل مثيرة تتعلق بقيام شركات أسلحة إسرائيلية رائدة ببيع أنظمة دفاع صاروخي متطورة ومعدات بالغة الدقة لطائرات مقاتلة من طراز (F-15) إلى كل من دولة قطر والمملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة.
وأكد التحقيق، المدعوم بالوثائق الفيدرالية الأمريكية والصور، أن هذه الصفقات بلغت قيمتها مئات الملايين من الشواكل (ما يعادل عشرات إلى مئات الملايين من الدولارات الأمريكية)، وشملت تزويد الأسطول الأميري القطري بنظام راداري متطور يُستخدم لحماية طائرة أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، شخصيًا أثناء رحلاته الدولية.
وأشار التقرير، الذي أعده الصحفي الإسرائيلي عوديد يارون، إلى أن العلاقات السرية وغير الرسمية لقطر مع تل أبيب تضمنت تصدير معدات دفاعية تكنولوجية فائقة التطور.
وبحسب الوثائق، فإنه خلال زيارة أمير قطر إلى العاصمة الإيرانية طهران في مارس 2024، كانت طائرته الرئاسية مجهزة بالكامل بنظام الدفاع الجوي الشهير (C-MUSIC)، وهو نظام تدابير مضادة اتجاهية بالأشعة تحت الحمراء (DIRCM) تصنعه شركة “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems) الدفاعية الإسرائيلية.
تقنية الـ C-MUSIC لحماية الطائرات الأميرية
وتعتمد آلية عمل هذا النظام الدفاعي على تتبع ورصد الصواريخ الحرارية المحمولة من نوع (ارض-جو) الموجهة بالأشعة تحت الحمراء فور إطلاقها؛ حيث يقوم برصدها بدقة عبر مستشعرات خاصة، ثم يطلق شعاع ليزر يعمل بالأشعة تحت الحمراء لتشويش نظام توجيه الصاروخ وتعطيله تمامًا وإبعاده عن الطائرة.
ووفقًا لنتائج التحقيق، قامت شركة “إلبيت” بتزويد أسطول الطيران الملكي القطري (الذي يستخدمه الأمير ورئيس الوزراء) بهذه الأنظمة المتطورة بين عامي 2020 و2022، وتم تركيبها على ثلاث طائرات أميرية على الأقل: طائرتان من طراز “بوينغ 747” وطائرة واحدة من طراز “إيرباص A340-500”.
وتُظهر صور رسمية موثقة من زيارات الأمير لدول مثل الجزائر والسلفادور وجود هذه الحاويات التقنية المثبتة بوضوح في الجزء السفلي الخلفي من الطائرات.
مكونات إسرائيلية في مقاتلات “F-15” القطرية والسعودية
لم تقتصر الصفقات على حماية الطائرات الوفدية، بل امتدت لتشمل مقاتلات سلاح الجو؛ حيث كشف التحقيق عن مشاركة شركات إسرائيلية مثل “إلبيت” و”الصناعات الجوية الإسرائيلية” (IAI) كمقاولين من الباطن لتوريد مكونات رئيسية لبرنامج طائرات (F-15 QA) “أبابيل” القطرية (البالغ عددها 36 طائرة وتم تسليمها بحلول 2023) عبر عقود أمريكية تراوحت قيمتها بين 150 و250 مليون دولار. وشملت المبيعات:
خوذات القتال الذكية (JHMCS) من شركة “كولينز إلبيت لأنظمة الرؤية” التي تعرض بيانات الطيران والأهداف مباشرة على واقي وجه الطيار (نحو 160 وحدة بقيمة 35 مليون دولار).
نظارات الرؤية الليلية المتقدمة من طراز (AN/AVS-9).
مكونات هيكلية مصنعة في شركة “سايكلون” التابعة لإلبيت، وأقسام الطيران بشركة (IAI)، وشركتي “تات تكنولوجيز” و”بيت إيل”.
وفيما يخص المملكة العربية السعودية، أكد التحقيق أن الرياض تسلمت عشرات المقاتلات النفاثة المتطورة من طراز (F-15 SA) تشتمل على معدات وأنظمة فرعية إسرائيلية الصنع تم توريدها بطريقة غير مباشرة عبر وسيط أمريكي (شركة بوينغ)، بموجب برامج مبيعات عسكرية دولية.
وتضمنت المعدات الموردة للسعودية 462 خوذة قتالية متطورة من طراز (JHMCS) بقيمة تقريبية تصل إلى 100 مليون دولار (بواقع 200 ألف دولار للخوذة الواحدة)، إضافة إلى 462 نظارة رؤية ليلية (AN/AVS-9)، وتؤكد صور منشورة لطيارين سعوديين استخدامهم الفعلي لهذه الخوذات أثناء الطيران.
صفقات غير مباشرة وموافقات حكومية سيادية
وأوضحت “هآرتس” أن هذه الصفقات تمت بالكامل على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية رسمية بين إسرائيل وكل من قطر والسعودية، على عكس دول “اتفاقيات أبراهام” (الإمارات، البحرين، المغرب).
ولا تُصنف هذه المبيعات كصفقات مباشرة بين الحكومات، بل كأنظمة فرعية تدمجها شركات أمريكية كبرى في برامج تسليح أوسع، أو عبر عمليات تحديث وصيانة تجارية تتم في دول أوروبية.
موافقة سيادية: أفاد التحقيق بأن هذه الصادرات حظيت بموافقات صريحة من الحكومة الإسرائيلية؛ حيث وافق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصياً في وقت سابق على صفقات دفاعية تخص قطر تتجاوز قيمتها 100 مليون دولار.
وتأتي هذه الصادرات لتؤكد وجود نمط من التعاون الأمني والعملي غير المعلن بين تل أبيب ودول خليجية تشاركها الهواجس الأمنية المشتركة والمخاوف الإقليمية المرتبطة بإيران وصواريخها ومسيّراتها. وتتشابه هذه المنظومات مع تلك التي أرسلتها إسرائيل سابقاً إلى الإمارات (مثل نظام ليزر دفاعي ضد المسيّرات)، وتلك المبيعة لحلفاء دوليين مثل ألمانيا، هولندا، النمسا، وحلف شمال الأطلسي (الناتو).










