في تحرك يحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز نطاق “مكافحة الفساد” التقليدي، اقتحمت وحدات من جهاز مكافحة الإرهاب النخبوي المنطقة الخضراء في بغداد، لتنفذ سلسلة اعتقالات طالت 47 مشتبها بهم، بينهم نواب حاليون ومسؤولون حكوميون سابقون.
العملية العراقية التي تأتي في توقيت شديد الحساسية، تضع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي تولى منصبه في مايو الماضي، أمام اختبار حقيقي: هل يقود مواجهة جادة مع منظومة الفساد العميقة التي تستنزف الدولة، أم أنها مجرد مناورة سياسية لتهدئة الضغوط الخارجية؟
خلفية المداهمات.. هل هي تصفية حسابات؟
ترتبط الاعتقالات، بحسب التقارير، بشبكات فساد تمتد إلى مستويات عليا، حيث استندت التحقيقات إلى شهادات نائب وزير النفط السابق عدنان الجميلي. وتتنوع التهم بين استغلال موارد الدولة في الحملات الانتخابية، وعقد صفقات مشبوهة لتحقيق مكاسب شخصية.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذه الملفات، نائب وزير النفط لشؤون التوزيع علي معرج، الذي سبق أن فرضت عليه واشنطن عقوبات لاتهامه بتحويل النفط العراقي لصالح إيران والميليشيات التابعة لها عبر وثائق مزورة.
وعلى الرغم من الزخم الذي خلقته هذه المداهمات، إلا أن محللين سياسيين، مثل الدكتور طلحة عبد الرزاق، يبدون شكوكا كبيرة.
ويرى عبد الرزاق أن الحملة، بوضعها الحالي، قد تكون مصممة لإعطاء انطباع بالتغيير عبر “التضحية بكباش فداء” من الصفوف الثانية والثالثة، مع بقاء مراكز القوة الحقيقية والمرتبطة بالفصائل المسلحة بمنأى عن أي ملاحقة.
التوقيت الاستراتيجي: ضغوط واشنطن والزيارة المرتقبة
يأتي هذا التحرك قبل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن في منتصف يوليو، وهي زيارة تهدف إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية والأمنية مع الولايات المتحدة.
ويبدو أن واشنطن تضغط باتجاه رؤية خطوات ملموسة فيما يخص “نزع سلاح الميليشيات” وحصر الأسلحة بيد الدولة، وهو ما ناقشه المبعوث الأمريكي توم باراك خلال زيارته الأخيرة لبغداد.
في هذا السياق، ينظر إلى المداهمات كرسالة مزدوجة؛ فهي من جهة تظهر قدرة الزيدي على استخدام مؤسسات الدولة القمعية (كجهاز مكافحة الإرهاب) لفرض سلطته في قلب المنطقة الخضراء، ومن جهة أخرى، محاولة “تجميل” واجهة النظام العراقي أمام الإدارة الأمريكية، دون أن تمس المصالح الجوهرية للوكلاء المرتبطين بطهران.
بين واشنطن وطهران: لعبة التوازنات
المفارقة تكمن في أن هذه الغارات تزامنت مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العراق للتحضير لمراسم تشييع المرشد الراحل علي خامنئي.
ويشير مراقبون إلى أن طهران، في براجماتيتها المعهودة، قد تكون غير منزعجة من هذه الإجراءات إذا ما كانت ستؤدي إلى استمرار النظام الحالي الذي يخدم مصالحها، حتى لو تطلب الأمر التضحية ببعض الشخصيات السياسية الهامشية.
وتجادل التحليلات بأن الفجوة بين “المظاهر” و”المضمون” ستظل قائمة ما لم تتجاوز الحكومة مجرد استهداف سياسيين لا يتمتعون بحماية ميليشياوية، لتبدأ في ملاحقة البنية التحتية الاقتصادية والمالية التي تمول الجماعات المسلحة وتسيطر على المعابر والوزارات.
مآلات الحملة.. نقطة تحول أم حلقة مفرغة؟
يعيش الشارع العراقي حالة من الحذر الممزوج بانعدام الثقة، نتيجة تجارب حكومات سابقة تعثرت فيها مشاريع الإصلاح أمام نفوذ الأحزاب والمحاصصة. فإذا توقفت الحملة عند هذا الحد، فإنها ستفسر ببساطة على أنها مناورة سياسية لإدارة التوقعات الدولية والالتفاف على المطالب الأمريكية.
أما إذا توسعت لتطال المصالح المرتبطة بالفصائل النافذة، فإن الزيدي سيجد نفسه حينها في مواجهة مباشرة مع أسس النظام الذي تشكل بعد عام 2003.
في المحصلة، تظل المنطقة الخضراء ساحة لاستعراض القوة، لكن الاختبار الحقيقي للزيدي لن يكون في عدد المعتقلين اليوم، بل في قدرة الدولة العراقية على انتزاع استقلاليتها من شبكات الفساد التي أصبحت، وفقا للمحللين، جزءا لا يتجزأ من بنية الدولة نفسها. الأيام القادمة، خاصة ما بعد زيارة واشنطن، ستكشف ما إذا كان العراق أمام عملية “تنظيف” حقيقية، أم مجرد حلقة جديدة في مسلسل إدارة الأزمات الذي أتقنته النخب السياسية العراقية طوال العقدين الماضيين.








