في تحول استراتيجي قد يعيد رسم الخارطة العسكرية في الشرق الأوسط، كشفت تقارير صادرة عن صحيفة “وول ستريت جورنال” أن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) تدرس بجدية خيارات نقل أنظمة عملياتها وقواعدها العسكرية الرئيسية من دول الخليج العربي وتحديداً البحرين والكويت والسعودية إلى الداخل الإسرائيلي، وتحديداً في منطقة النقب.
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب الضربات الإيرانية المكثفة والمؤلمة التي استهدفت المواقع الأمريكية خلال الحرب الأخيرة، والتي أثبتت تعرض القواعد الحالية في الخليج لمخاطر عالية.
مراجعة شاملة للوجود العسكري الأمريكي
تُعد البحرين المقر التاريخي للأسطول الخامس الأمريكي والقوات البحرية المركزية في الشرق الأوسط لأكثر من نصف قرن.
إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة، وتحديداً منذ فبراير 2026، ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية الأمريكية، لا سيما مقر وكالة الأمن القومي في البحرين.
وبحسب التقديرات، فإن إعادة تأهيل هذه المنشآت قد تتطلب استثمارات تفوق 400 مليون دولار، وهو ما دفع البنتاغون إلى التفكير في بدائل أكثر أمناً بدلاً من ترميم ما تم تدميره.
وتشير الخطط المطروحة إلى خيارين رئيسيين: إما إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة وجديدة بالكامل في صحراء النقب، أو توسيع وتطوير إحدى القواعد الجوية الإسرائيلية الحالية وتخصيص مجمع مستقل للقوات الأمريكية داخلها. هذا التوجه يأتي متماشياً مع خطط وزارة الدفاع الأمريكية لتجديد وتمديد عقود التوريد والتعاون العسكري مع الجيش الإسرائيلي حتى عام 2030 وما بعده.
الضغوط الإيرانية وحسابات الأمن
كانت إيران قد أطلقت خلال الأشهر الماضية أكثر من 8000 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه أهداف أمريكية وإسرائيلية. ورغم تأكيد الكابتن تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية، أن استراتيجية البنتاغون نجحت في “حماية الأفراد على حساب المباني” (مشيراً إلى قلة الإصابات البشرية)، إلا أن حجم الدمار المادي في أكثر من 20 موقعاً أمريكياً دفع واشنطن لإعادة تقييم “الملاذات الآمنة” لقواتها. ومن جانبه، كان المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، قد صرح بوضوح أن الولايات المتحدة لن تجد بعد الآن ملاذاً آمناً لإقامة قواعدها العسكرية في المنطقة.
جدل التبعات الاستراتيجية واللوجستية
وعلى الرغم من تأييد بعض المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين لهذه الخطوة، معتبرين أنها ستعزز “التحالف الاستراتيجي طويل الأمد” وتوفر حماية جوية مشتركة، إلا أن هناك تحديات لوجستية وتجارية كبيرة. فقد أدى استضافة مطار بن غوريون لطائرات التزود بالوقود الأمريكية منذ بداية الحرب إلى تأثيرات سلبية على مرونة الحركة الجوية المدنية.
وقد أعرب رئيس هيئة الطيران المدني الإسرائيلي، شموئيل زكاي، عن استيائه من تحول مطار بن غوريون فعلياً إلى “قاعدة عسكرية أمريكية”، بينما أشار شموئيل بن عزرا، مدير مجلس الأمن القومي، إلى خسائر مالية تقدر بنحو 700 مليون شيكل تكبدتها هيئة المطارات نتيجة لهذا الوجود. ولتخفيف هذه الضغوط، تشير تقارير صحيفة “معاريف” إلى التوجه لنقل الطائرات الأمريكية من مطار بن غوريون إلى قواعد جوية عسكرية مخصصة داخل إسرائيل.
مراقبة إقليمية من النقب
إن الانتقال إلى النقب لا يحقق فقط هدف “البعد عن نيران الصواريخ الإيرانية”، بل يمنح الولايات المتحدة ميزة جيوسياسية؛ حيث يتيح لها الوصول بشكل أسرع إلى مراكز التنسيق المدني العسكري في “كريات جات”، ويعزز من قدرتها على مراقبة العمليات الجارية في قطاع غزة والساحة اللبنانية.
وفي سياق متصل، يستعد الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، لزيارة إسرائيل هذا الأسبوع؛ حيث من المتوقع أن يتصدر جدول أعماله التفاوض على شروط وقف إطلاق النار في لبنان وتحديد خطوط انسحاب القوات الإسرائيلية، في ظل مطالب لبنانية وحزب الله بعمليات سحب أكثر دقة ووضوحاً.
بينما لا تزال القرارات النهائية معلقة، يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو إعادة تعريف ثقلها العسكري في المنطقة، مع الانتقال من “مراكز الضعف” في الخليج إلى قواعد أكثر تحصيناً في إسرائيل، في خطوة ستغير بالتأكيد من قواعد الاشتباك الإقليمية لسنوات قادمة.











