مراكش – المنشر_الاخباري
دخلت الجزائر الاستحقاق التشريعي وسط توقعات بأن تكون خريطة البرلمان المقبل شبه محسومة، غير أن الأنظار اتجهت هذه المرة إلى مؤشر آخر اعتبره مراقبون أكثر أهمية من النتائج نفسها، وهو نسبة المشاركة الشعبية، التي ينظر إليها باعتبارها المقياس الحقيقي لمدى الثقة في العملية السياسية.
وتشير تقديرات وتحليلات سياسية إلى أن السلطة لا تواجه تحدياً يتعلق بمن سيفوز بالأغلبية داخل البرلمان، بقدر ما تواجه اختباراً يتعلق بقدرتها على إقناع الجزائريين بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، في ظل تراجع الاهتمام الشعبي بالانتخابات خلال الاستحقاقات الأخيرة.
المشاركة تتحول إلى معركة السلطة
وبحسب التحليل، فإن الحملة الانتخابية كشفت تركيزاً لافتاً من جانب وسائل الإعلام الرسمية والأحزاب المشاركة على الدعوة إلى التصويت، أكثر من التركيز على البرامج الانتخابية أو المنافسة السياسية، وهو ما يعكس إدراكاً رسمياً بأن نسبة المشاركة ستكون المعيار الأساسي الذي سيحكم من خلاله على الانتخابات داخلياً وخارجياً.
ويرى التحليل أن النظام السياسي يستطيع، بحكم القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، التحكم إلى حد كبير في شكل المنافسة، لكنه لا يستطيع فرض مشاركة شعبية واسعة تمنح الاقتراع زخماً سياسياً أكبر.
قوانين جديدة تقلص خيارات المعارضة
كما يلفت التقرير إلى أن قانون الأحزاب الجديد ضيق مساحة المقاطعة السياسية، بعدما جعل عدم المشاركة في استحقاقين انتخابيين متتاليين سبباً قد يعرض بعض الأحزاب لإجراءات قانونية تصل إلى الحل.
وأدى ذلك، وفق التحليل، إلى دفع عدد من الأحزاب إلى خوض الانتخابات للحفاظ على وضعها القانوني، وليس بالضرورة نتيجة اقتناعها بوجود منافسة سياسية متكافئة، الأمر الذي غيّر طبيعة المشاركة الحزبية مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
الاقتصاد يضعف الحماس الانتخابي
ويشير التقرير إلى أن الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة ساهما في تعميق حالة العزوف السياسي، حيث باتت الأولويات المعيشية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين تتقدم على الاهتمام بالانتخابات أو نتائجها.
ويعتبر التحليل أن تراجع الثقة في قدرة البرلمان على معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية جعل كثيراً من الناخبين ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها غير قادرة على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية.
رهانات تتجاوز الحدود الجزائرية
ويرى التقرير أن أهمية الانتخابات لا تقتصر على الداخل الجزائري، بل تمتد إلى صورة البلاد أمام شركائها الدوليين، في ظل سعي الجزائر إلى ترسيخ دورها كشريك إقليمي في ملفات الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب والأزمات الإقليمية.
ويضيف أن نسبة المشاركة ستشكل أحد المؤشرات التي سيستند إليها المجتمع الدولي في تقييم مستوى الشرعية السياسية للمؤسسات المنتخبة، حتى وإن كانت النتائج النهائية متوقعة إلى حد كبير.
دعوات غربية لمراجعة المقاربة تجاه الجزائر
ويختتم التقرير بالإشارة إلى دعوات داخل بعض الأوساط البحثية الغربية لإعادة تقييم أسلوب التعامل مع الجزائر، من خلال ربط التعاون الأمني والسياسي بإصلاحات مؤسسية تتعلق باستقلال القضاء والانتخابات وتوسيع المجال السياسي، بدلاً من اعتبار مجرد إجراء الانتخابات مؤشراً كافياً على التقدم الديمقراطي.
وبحسب هذه الرؤية، فإن التحدي الحقيقي أمام السلطة الجزائرية لا يكمن في تشكيل البرلمان المقبل، وإنما في استعادة ثقة الناخبين وإقناعهم بأن المشاركة السياسية ما زالت قادرة على التأثير في مسار الحكم وصنع القرار.










