بكين تقدم إعفاءات محدودة من الديون وتبحث عن صفقات تعدين ونفط طويلة الأمد.. هل تستغل انهيار السودان لتثبيت موطئ قدم اقتصادي وسياسي في أفريقيا؟
بورتسودان- المنشر_الاخباري
بينما ينزلق السودان إلى واحدة من أسوأ أزماته في العصر الحديث، وتغيب القوى الدولية الكبرى عن المشهد، تتحرك الصين بهدوء للحفاظ على نفوذها في بلد أنهكته الحرب، مستفيدة من حاجة السلطة العسكرية في الخرطوم إلى حليف اقتصادي وسياسي في وقت تراجعت فيه المساعدات الغربية وتقلص الحضور الدبلوماسي الدولي.
فبعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أصبح السودان دولة شبه معزولة دوليًا، مع مغادرة معظم البعثات الغربية، وتراجع تدفقات الدعم، وانهيار قطاعات اقتصادية حيوية.
في هذا الفراغ، حافظت بكين على قنوات اتصالها مع قيادة الجيش السوداني، وقدمت نفسها باعتبارها شريكًا قادرًا على الاستثمار وإعادة الإعمار، لكن محللين يرون أن التحرك الصيني يتجاوز مسألة المساعدات أو التنمية، ويرتبط برؤية طويلة المدى للحصول على الموارد وتعزيز النفوذ في القارة الأفريقية.
إعفاءات من الديون مقابل نفوذ اقتصادي
أعلنت الصين مؤخرًا إعفاء السودان من أربعة قروض بلا فوائد تبلغ قيمتها نحو 50 مليون دولار، في خطوة اعتبرتها الخرطوم رسالة دعم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ورحب وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم بالخطوة، معتبرًا أنها تمثل فرصة لتعزيز التعاون مع بكين وتطوير المهارات والاستثمارات.
لكن هذه الخطوة تأتي في وقت تسعى فيه الصين للحصول على فرص استثمارية جديدة داخل السودان، من بينها مشاريع في قطاع التعدين، مثل صفقة نحاس بقيمة تقدر بنحو 300 مليون دولار، تمنح السودان نسبة من الأرباح على مدى عقود، بعد تسوية الالتزامات المالية تجاه الجانب الصيني.
وتشير التقديرات إلى أن السودان يدين للصين بأكثر من 5 مليارات دولار، ما يجعل العلاقة الاقتصادية بين البلدين تحمل أبعادًا تتجاوز التعاون التقليدي، خاصة مع اعتماد الخرطوم المتزايد على التمويل الخارجي.
ثلاثة عقود من الحضور الصيني في السودان
لم يبدأ النفوذ الصيني في السودان مع الحرب الحالية، بل يعود إلى منتصف التسعينيات، عندما دخلت الشركات الصينية قطاع النفط السوداني.
وفي عام 1996، بدأت شركة النفط الوطنية الصينية “CNPC” العمل في أحد القطاعات النفطية بالسودان، قبل أن تصبح الصين لاعبًا رئيسيًا في صناعة الطاقة السودانية.
وساهمت شركات صينية في تطوير خطوط نقل النفط والبنية التحتية المرتبطة به، كما استثمرت مليارات الدولارات في عمليات الاستخراج والنقل.
لكن تلك الاستثمارات أثارت انتقادات دولية، بعدما اتهمت منظمات حقوقية الحكومة السودانية باستخدام عائدات النفط في تمويل العمليات العسكرية بدل توجيهها إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومع اندلاع الحرب الحالية، انهارت معظم منظومة النفط التي كانت تربط السودان بجنوب السودان والصين، بعدما تعرضت المنشآت وخطوط النقل لهجمات وعمليات تعطيل.
وفي عام 2024، أعلنت الخرطوم حالة القوة القاهرة بشأن خط أنابيب النفط، ما أدى إلى توقف صادرات نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية، قبل أن تنهي شركة النفط الصينية لاحقًا شراكتها في أحد القطاعات النفطية الرئيسية.
بكين بين خطاب السلام ومصالح الموارد
تؤكد الصين رسميًا دعمها لوقف الحرب في السودان، وصوتت لصالح قرارات دولية تدعو إلى إنهاء القتال، كما أرسلت مبعوثين وشاركت في جهود دبلوماسية متعددة.
لكن منتقدين يرون أن السياسة الصينية تقوم على الحفاظ على علاقاتها مع السلطة القائمة، أيًا كان شكلها، طالما أنها توفر الاستقرار اللازم لحماية المصالح الاقتصادية.
ويرى هؤلاء أن بكين تحتاج إلى استمرار نفوذ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، لأن كثيرًا من الاتفاقيات الحالية مرتبطة بعلاقات مباشرة مع السلطة العسكرية القائمة.
وفي حال وصول حكومة مدنية منتخبة إلى الحكم، قد تطالب بإعادة مراجعة العديد من العقود الموقعة خلال فترة الحرب، خصوصًا تلك المتعلقة بالموارد الطبيعية.
المعادن.. الهدف الجديد للصين في السودان
مع تراجع أهمية النفط بسبب الحرب، تتجه الأنظار إلى الموارد المعدنية، خصوصًا الذهب والنحاس والمعادن النادرة.
ويمتلك السودان احتياطات ضخمة من الموارد الطبيعية، لكن الحرب وضعف المؤسسات جعلا البلاد عرضة لاتفاقيات يتم توقيعها في ظروف استثنائية.
وحذرت جهات سودانية محلية، بينها كيانات تمثل مناطق شرق السودان، من إبرام اتفاقيات طويلة الأمد في ظل غياب مؤسسات تشريعية ورقابية، معتبرة أن أي عقود توقعها السلطة الحالية قد تواجه طعونًا قانونية بعد انتهاء الحرب.
ويشير منتقدون إلى أن سكان المناطق الغنية بالموارد غالبًا لا يحصلون على فوائد اقتصادية حقيقية، بينما تخرج الثروات إلى الخارج وتبقى المجتمعات المحلية تعاني من الفقر وضعف الخدمات.
هل يتحول السودان إلى ورقة جديدة في المنافسة الدولية؟
يرى مراقبون أن تحرك الصين في السودان يعكس نمطًا أوسع في سياستها الخارجية بأفريقيا، حيث تعتمد على الاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية والطاقة والمعادن مقابل تعزيز النفوذ السياسي.
لكن خصوم بكين يصفون هذا النهج بأنه استغلال لأزمات الدول الضعيفة، عبر تقديم مساعدات محدودة مقابل الحصول على امتيازات اقتصادية واسعة.
في المقابل، ترى الصين أن وجودها في أفريقيا يقوم على مبدأ الشراكة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بعكس القوى الغربية التي تربط غالبًا المساعدات بالإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان.
وفي الحالة السودانية، يبدو أن الحرب فتحت نافذة أمام بكين لإعادة تثبيت حضورها، لكن الثمن قد يكون طويل الأمد بالنسبة لدولة تعاني من ضعف المؤسسات والانقسام السياسي.
فبينما يبحث السودانيون عن نهاية للحرب وبداية لإعادة بناء دولتهم، تتحول موارد البلاد وموقعها الاستراتيجي إلى ساحة تنافس دولي، حيث تحاول الصين الحفاظ على نفوذ عمره ثلاثة عقود، في وقت يزداد فيه اعتماد السودان على الخارج للخروج من أزمته.










