بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة تكشف تفاصيل صادمة عن حصار الفاشر وسقوط الضحايا، وتحذر من تكرار الكارثة في شمال كردفان
بورتسودان- المنشر_الاخباري
في واحدة من أخطر الاتهامات الدولية منذ اندلاع الحرب السودانية، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن قوات الدعم السريع وحلفاءها ارتكبوا أعمالًا ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية خلال حصار مدينة الفاشر والسيطرة عليها في إقليم دارفور، متهمة القوات بارتكاب عمليات قتل جماعي واغتصاب واسع النطاق وخطف وتجويع متعمد للمدنيين.
ويأتي التقرير الأممي في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال نمط الانتهاكات ذاته إلى مناطق أخرى، خصوصًا مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، التي حذر مسؤولون أمميون من أنها قد تواجه “كارثة مماثلة” مع استمرار حشد قوات الدعم السريع حولها.
وقالت بعثة تقصي الحقائق الخاصة بالسودان إن التحقيقات التي أجرتها خلصت إلى وجود “نمط واسع ومنهجي” من الانتهاكات خلال معركة الفاشر، مشيرة إلى أن الأفعال لم تكن حوادث فردية، بل جاءت ضمن سياسة متعمدة استهدفت المدنيين.
الفاشر.. مدينة محاصرة تحولت إلى مسرح للانتهاكات
كانت مدينة الفاشر، آخر مراكز السلطة الرئيسية في دارفور خارج سيطرة قوات الدعم السريع، قد خضعت لحصار طويل قبل أن تتمكن القوات من السيطرة عليها العام الماضي.
وبحسب التقرير الأممي، فرضت قوات الدعم السريع وحلفاؤها حصارًا أدى إلى تقييد وصول المساعدات الإنسانية، ومنع الإمدادات الغذائية والطبية، إضافة إلى استهداف منشآت مرتبطة بإنتاج الغذاء.
واعتبرت البعثة أن استخدام التجويع ضد السكان المدنيين يمثل جريمة حرب، مؤكدة أن الحصار لم يكن مجرد نتيجة للمعارك، بل جزءًا من استراتيجية تهدف إلى إخضاع السكان.
ونقل التقرير شهادات صادمة لناجين تحدثوا عن عمليات اغتصاب جماعي واختطاف للنساء والفتيات، مشيرين إلى أن بعض الضحايا تعرضن للاعتداء في أماكن كانت لا تزال تحتوي على جثث مدنيين قُتلوا حديثًا، بينهم أفراد من عائلاتهن.
اتهامات بالإبادة الجماعية
لم تكتفِ البعثة الأممية بوصف ما حدث بأنه انتهاكات جسيمة، بل قالت إن الأدلة الجديدة تعزز استنتاجاتها السابقة بأن الجرائم المرتكبة في الفاشر تحمل “سمات الإبادة الجماعية”.
وأوضح رئيس البعثة، محمد شاندي عثمان، أن الأنماط التي تم توثيقها، ومنها تطويق المدينة، واستهداف البنية التحتية المدنية، وعرقلة وصول المساعدات، والانتهاكات الواسعة ضد السكان، تمثل “تحذيرًا صارخًا” للمجتمع الدولي.
وأضاف أن العالم يجب أن يتعلم من تجربة الفاشر وأن يتحرك لمنع وقوع كارثة جديدة في مناطق أخرى من السودان.
وتنفي قوات الدعم السريع هذه الاتهامات، وتقول إن التقارير المتعلقة بالانتهاكات يتم استخدامها ضمن حملات سياسية ضدها، كما تتهم بدورها الجيش السوداني بارتكاب انتهاكات خلال الحرب.
الأبيض.. مخاوف من تكرار سيناريو دارفور
في الوقت الذي ركز فيه التقرير على الفاشر، أطلقت الأمم المتحدة تحذيرات بشأن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي أصبحت مركزًا جديدًا للتوتر.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن مكتبه وثق أنماطًا من الإعدامات الميدانية والاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي في المناطق المحيطة بالمدينة.
وتستضيف الأبيض نحو نصف مليون شخص، بينهم أكثر من 83 ألف نازح داخليًا، ما يجعل أي تصعيد عسكري واسع فيها تهديدًا بكارثة إنسانية جديدة.
كما حذرت بريطانيا وعدد من الدول من خطر وقوع فظائع واسعة النطاق، مع استمرار حشد قوات الدعم السريع حول المنطقة.
المجتمع الدولي أمام اختبار جديد
يكشف التقرير الأممي حجم التحديات التي تواجه المجتمع الدولي في التعامل مع الحرب السودانية، إذ لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بالصراع على السلطة بين الجيش والدعم السريع، بل باتت تتعلق بحماية ملايين المدنيين من انتهاكات واسعة النطاق.
ويرى مراقبون أن الاتهامات الجديدة تضع ضغوطًا متزايدة على الدول المؤثرة لاتخاذ خطوات أكثر صرامة، سواء عبر فرض عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات أو زيادة الضغط السياسي لوقف القتال وضمان وصول المساعدات.
لكن استمرار الحرب وتعدد الأطراف الإقليمية المتداخلة يجعل مسار المحاسبة معقدًا، خصوصًا مع غياب تسوية سياسية شاملة حتى الآن.
وبينما تتواصل المعارك على الأرض، يبقى الخطر الأكبر أن تتحول الفاشر إلى نموذج يتكرر في مدن أخرى، في وقت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن تجاهل الإنذارات المبكرة قد يؤدي إلى موجات جديدة من القتل والنزوح والانتهاكات.










