تحرك دبلوماسي جرى بالتنسيق مع واشنطن، فيما يسود هدوء هش في الخليج بعد ضربات متبادلة كادت تدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع تهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
طهران – المنشر الاخبارى
في توقيت بالغ الحساسية، وبينما لا تزال رائحة التصعيد العسكري الأميركي الإيراني تخيم على أجواء الخليج، كشفت شبكة CNN أن مفاوضين قطريين توجهوا إلى طهران في مهمة عاجلة ومنسقة مع الولايات المتحدة، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة قد تكون تداعياتها الأوسع منذ سنوات.
ويأتي التحرك القطري بعد يومين من الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران، والتي رفعت منسوب القلق في المنطقة، وأثارت مخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى انفجار عسكري واسع النطاق، يمتد تأثيره من مضيق هرمز إلى أسواق الطاقة العالمية.
وقال دبلوماسي مطلع لشبكة CNN إن الوفد القطري يحمل رسالة واضحة إلى القيادة الإيرانية، تتمثل في ضرورة خفض التصعيد وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه الأطراف الإقليمية والدولية إلى منع انهيار المسار الدبلوماسي بشكل كامل.
الدوحة تتحرك في أخطر توقيت
ليست هذه المرة الأولى التي تلعب فيها قطر دور الوسيط بين واشنطن وطهران. فعلى مدى السنوات الماضية، تحولت الدوحة إلى قناة اتصال رئيسية بين الجانبين، وساهمت في تسهيل عمليات تبادل سجناء ونقل رسائل سياسية وأمنية خلال فترات التوتر.
إلا أن المهمة الحالية تبدو أكثر تعقيداً من سابقاتها، إذ تأتي في أعقاب مواجهات عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل فرص سوء التقدير أكبر من أي وقت مضى.
وتدرك الدوحة أن استمرار التصعيد لن يهدد أمن الخليج فحسب، بل سيضع المنطقة بأكملها أمام سيناريوهات خطيرة، تبدأ من اضطراب أسواق النفط ولا تنتهي عند احتمال توسع دائرة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى.
واشنطن بين الضربات والدبلوماسية
رغم الضربات العسكرية الأخيرة، تشير المؤشرات إلى أن الإدارة الأميركية لا تزال تفضل إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
ونقلت CNN عن مسؤول أميركي قوله إن الجيش الأميركي كان ينفذ ضربات محسوبة ثم يتوقف عمداً، بهدف منع التصعيد وترك مساحة للجهود الدبلوماسية.
ويعكس هذا النهج رغبة واشنطن في ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران، دون الانجرار إلى حرب مفتوحة قد تفرض كلفة سياسية واقتصادية باهظة على الولايات المتحدة.
كما أن الإدارة الأميركية تدرك أن أي تصعيد واسع في الخليج سيؤثر مباشرة على أسعار النفط والاقتصاد العالمي، ويزيد الضغوط الداخلية على البيت الأبيض في وقت تشهد فيه الأسواق الدولية حالة من التوتر وعدم اليقين.
طهران أمام خيارات صعبة
في المقابل، تجد إيران نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تسعى إلى إظهار قدرتها على الرد وعدم الخضوع للضغوط الأميركية، ومن جهة أخرى تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد يضعها أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة.
ويرى مراقبون أن القيادة الإيرانية قد تنظر إلى الوساطة القطرية باعتبارها فرصة لإعادة فتح قنوات الاتصال مع واشنطن من دون تقديم تنازلات علنية أو الظهور بمظهر المتراجع.
لكن في الوقت ذاته، فإن أي فشل في جهود الوساطة قد يعيد المنطقة سريعاً إلى دائرة التصعيد، خاصة في ظل استمرار الجاهزية العسكرية الأميركية واحتفاظ واشنطن بقائمة أهداف إضافية يمكن استهدافها إذا تجددت المواجهة.
هرمز.. العقدة الأخطر
ورغم الهدوء الحالي، يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في الأزمة. فالممر البحري الذي تعبر من خلاله نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية يمثل ورقة ضغط استراتيجية بالنسبة لإيران، كما يشكل خطاً أحمر بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
وأي اضطراب في الملاحة داخل المضيق ستكون له انعكاسات فورية على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يدفع العواصم الإقليمية والدولية إلى دعم أي جهد يمكن أن يمنع التصعيد.
سباق مع الزمن
تكشف زيارة المفاوضين القطريين إلى طهران أن المنطقة دخلت مرحلة سباق حقيقي بين الدبلوماسية والمواجهة العسكرية.
فالهدوء الحالي لا يعني انتهاء الأزمة، بل قد يكون مجرد فرصة قصيرة أمام الوسطاء لإنقاذ مسار التفاوض قبل أن تتغلب الحسابات العسكرية على لغة السياسة.
وفي حال نجحت الوساطة القطرية، فقد تشكل نقطة انطلاق لعودة المحادثات الأميركية الإيرانية، أما إذا تعثرت، فإن الشرق الأوسط قد يجد نفسه أمام جولة جديدة من التصعيد، ستكون تداعياتها هذه المرة أكثر اتساعاً وخطورة.
ولهذا، تتجه الأنظار إلى طهران، حيث تجري في الكواليس واحدة من أكثر الجهود الدبلوماسية حساسية منذ اندلاع الأزمة، في محاولة أخيرة لمنع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة لا يريدها أحد، لكنها تظل احتمالاً قائماً في أي لحظة.










