طرابلس- المنشر الإخباري
في تطور عسكري وسياسي لافت، احتضنت مدينة سرت الليبية اجتماعاً جمع قيادات عسكرية بارزة من شرق وغرب البلاد، في محاولة جديدة لدفع ملف توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام التي طبعت المشهد الليبي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
ويأتي اللقاء بين قائد قوات الشرق الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس أركان قوات حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس صلاح الدين النمروش، وسط جهود أممية ودولية لإعادة ترتيب الملف الأمني في ليبيا، الذي يُعد أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد.
وشارك في الاجتماع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة “5+5″، إضافة إلى نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني خوري، في مؤشر على استمرار الرهان الدولي على المسار العسكري كمدخل أساسي لتحقيق الاستقرار، بالتوازي مع المسارات السياسية والاقتصادية.
ويتركز النقاش خلال الاجتماع حول إمكانية تشكيل قوة عسكرية مشتركة تضم عناصر من مختلف مناطق ليبيا، بما يفتح الطريق أمام بناء جيش موحد بعيداً عن الانقسامات بين الشرق والغرب، وإنهاء وجود مؤسسات عسكرية متوازية ظلت لسنوات إحدى أبرز العقبات أمام استقرار الدولة الليبية.
سرت.. مدينة الصراع التي تحولت إلى منصة للحوار
اختيار مدينة سرت لاستضافة الاجتماع يحمل رمزية خاصة، فهي تقع في منطقة وسطى بين مناطق النفوذ في الشرق والغرب، وكانت لسنوات إحدى أبرز نقاط المواجهة بين الأطراف الليبية المتنافسة.
لكن بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، تحولت سرت تدريجياً إلى مركز للحوار العسكري، واستضافت العديد من اللقاءات بين ممثلي الطرفين، ضمن مسار تقوده الأمم المتحدة بهدف تثبيت الهدنة والانتقال من إدارة الصراع إلى بناء ترتيبات أمنية طويلة الأمد.
وتسعى اللجنة العسكرية المشتركة “5+5” إلى لعب دور محوري في هذا المسار، حيث تضم خمسة ضباط من المؤسسات العسكرية التابعة للغرب وخمسة من الشرق، وتعمل على ملفات تشمل مراقبة وقف إطلاق النار، وإعادة فتح الطرق، وتبادل المحتجزين، ووضع أسس لتوحيد المؤسسة العسكرية.
ورغم أن اللجنة نجحت في تحقيق بعض الخطوات الأمنية خلال السنوات الماضية، فإن ملف توحيد الجيش ظل يواجه عقبات كبيرة بسبب استمرار الخلاف السياسي بين القوى الليبية، وتعدد مراكز النفوذ، وارتباط بعض التشكيلات المسلحة بجهات سياسية وقبلية مختلفة.
تقارب عسكري رغم استمرار الخلاف السياسي
شهدت الأشهر الأخيرة مؤشرات على زيادة التواصل بين القيادات العسكرية في الشرق والغرب، رغم استمرار الخلافات حول شكل الدولة الليبية ومستقبل السلطة التنفيذية.
وكان من أبرز التطورات مشاركة وحدات عسكرية من الشرق والغرب في تدريبات “فلينتلوك 2026” الدولية التي نظمتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم”، بمشاركة عدد من الجيوش الأفريقية وشركاء من حلف شمال الأطلسي.
وتُعد تلك المشاركة محطة بارزة، كونها جمعت وحدات مرتبطة بالجيش الوطني الليبي في الشرق مع قوات تابعة لحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس ضمن تدريبات واحدة، في خطوة اعتُبرت محاولة لتعزيز التنسيق العسكري بين الأطراف المتنافسة.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التحركات لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات، لكنها تعكس تغيراً في طبيعة العلاقة بين الطرفين، من المواجهة المباشرة إلى البحث عن قنوات اتصال وتفاهمات أمنية مشتركة.
دور أميركي متزايد في الملف الليبي
يتزامن اجتماع سرت مع تحركات دبلوماسية أميركية مكثفة بشأن الأزمة الليبية، حيث يسعى المسؤولون الأميركيون إلى دفع الأطراف المختلفة نحو مسار يؤدي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء حالة الجمود السياسي.
وفي هذا السياق، أجرى المبعوث الأميركي لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي مسعد بولس زيارة إلى ليبيا، التقى خلالها شخصيات سياسية وقيادات عسكرية، ضمن جهود واشنطن لدعم مسار التسوية.
وتولي الولايات المتحدة أهمية خاصة للملف الليبي بسبب موقع البلاد الاستراتيجي، ومواردها النفطية، وتأثير استقرارها على منطقة شمال أفريقيا والبحر المتوسط، إضافة إلى ارتباط الملف الليبي بقضايا مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.
اختبار صعب أمام توحيد المؤسسة العسكرية
رغم أهمية الاجتماع، فإن طريق توحيد الجيش الليبي لا يزال محفوفاً بالتحديات، إذ لا يقتصر الخلاف على الجانب العسكري فقط، بل يرتبط أيضاً بمسائل سياسية تتعلق بشكل الحكم، وتوزيع السلطات، والسيطرة على الموارد.
كما يمثل وجود تشكيلات مسلحة متعددة خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية تحدياً إضافياً أمام أي محاولة لبناء جيش موحد، خصوصاً مع اختلاف الولاءات والمصالح بين القوى المنتشرة في مختلف المناطق.
ويرى محللون أن نجاح مسار توحيد الجيش يحتاج إلى اتفاق سياسي شامل يضمن توزيع الصلاحيات ويحدد شكل القيادة العسكرية المستقبلية، إضافة إلى وجود ضمانات محلية ودولية تمنع العودة إلى الصراع المسلح.
ومع ذلك، فإن اجتماع سرت يمثل خطوة جديدة في مسار طويل ومعقد، وقد يكون اختباراً حقيقياً لقدرة القيادات الليبية على تحويل اللقاءات العسكرية من مجرد اتصالات سياسية إلى مشروع فعلي لبناء مؤسسة عسكرية موحدة.
وبينما تبقى النتائج العملية للاجتماع مرهونة بما ستسفر عنه المفاوضات، فإن جمع قيادات الشرق والغرب في مدينة كانت يوماً رمزاً للانقسام يحمل رسالة سياسية واضحة: أن ملف الجيش أصبح في قلب أي تسوية مستقبلية للأزمة الليبية.










