ليبيا في قبضة صفقة أميركية جديدة.. المصالح النفطية تصطدم بشعار الديمقراطية
طرابلس- المنشر الإخباري
في الوقت الذي تنتظر فيه ليبيا إجراء انتخابات طال تأجيلها سنوات، تتحرك الولايات المتحدة عبر مبادرة سياسية غامضة تهدف إلى جمع أطراف الصراع الرئيسية حول اتفاق لتقاسم السلطة، وسط مخاوف من أن يتحول السعي وراء استقرار قطاع النفط إلى بديل عن بناء دولة ديمقراطية حقيقية.
ويقود التحرك الأميركي المبعوث الخاص لشؤون أفريقيا والعالم العربي في إدارة الرئيس دونالد ترامب، مسعد بولس، الذي أجرى خلال الفترة الأخيرة لقاءات متكررة مع أبرز القوى الليبية المتنافسة، في محاولة للوصول إلى صيغة تنهي الانقسام بين الشرق والغرب.
وشملت لقاءات بولس رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، والقائد العسكري خليفة حفتر الذي يدعم سلطة منافسة في شرق البلاد.
ورغم أن تفاصيل المبادرة لم تُعلن رسميًا، فإن بولس أكد أن هدفها الأساسي هو “إنهاء الانقسام” وتسهيل التواصل بين الأطراف الليبية، مشددًا على أنها “خطة ليبية-ليبية”.
لكن الغموض المحيط بالمقترح أثار تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى حل سياسي شامل، أم إلى اتفاق بين القوى المسيطرة على الأرض يضمن استقرارًا مؤقتًا ويحمي المصالح الاقتصادية، خصوصًا في قطاع النفط.
صفقة محتملة بين الدبيبة وعائلة حفتر
تداولت وسائل إعلام ليبية ودبلوماسية احتمالات بأن تتضمن الخطة الأميركية بقاء عبد الحميد الدبيبة في منصب رئيس الوزراء، مقابل تولي صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، منصب رئيس المجلس الرئاسي.
ورغم عدم تأكيد هذه التفاصيل من الجانب الأميركي، فإن مجرد طرحها أثار انتقادات واسعة، خاصة في مناطق غرب ليبيا التي تتحفظ على منح دور سياسي بارز لعائلة حفتر.
ويرى منتقدون أن مثل هذا الترتيب قد يؤدي إلى إعادة إنتاج مراكز القوة الحالية بدلًا من تأسيس نظام سياسي جديد عبر انتخابات وطنية.
في المقابل، يرى مؤيدو التحرك الأميركي أن الواقع الليبي يجعل أي حل سياسي مرتبطًا بالقوى التي تسيطر فعليًا على الأرض، وأن تجاهل هذه الأطراف قد يؤدي إلى استمرار الجمود والانقسام.
الانتخابات المؤجلة في مواجهة صفقة الأمر الواقع
جاء التحرك الأميركي بالتزامن مع إعلان المؤسسات الليبية في الشرق والغرب خارطة طريق جديدة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بحلول فبراير المقبل، وهو مطلب طالبت به الأمم المتحدة مرارًا.
لكن محللين يخشون من أن يؤدي الاتفاق بين النخب الحاكمة إلى تأجيل الانتخابات مرة أخرى، خصوصًا إذا حصلت الأطراف الحالية على ضمانات لبقائها في السلطة.
وقال محللون إن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في إنهاء الانقسام بين الحكومتين، بل في غياب توافق شعبي واسع حول أي صيغة سياسية جديدة.
وحذر الباحث السياسي كريم ميزران من أن دعم اتفاق بين القوى المسيطرة حاليًا دون وجود قبول شعبي حقيقي قد يكون “رهانًا خطيرًا”، معتبرًا أن التناقضات الداخلية قد تظهر لاحقًا وتدفع البلاد نحو موجة جديدة من العنف.
النفط.. المحرك الحقيقي للتحرك الأميركي؟
تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وهو ما يجعل استقرارها هدفًا استراتيجيًا للقوى الدولية.
وتسعى واشنطن إلى جذب شركات الطاقة الأميركية للاستثمار في ليبيا، حيث قال بولس إن الإنتاج النفطي الليبي يمكن أن يتضاعف ليصل إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العقد الحالي.
ويرى مراقبون أن زيادة إنتاج النفط الليبي قد تمنح الولايات المتحدة فرصًا اقتصادية كبيرة، خصوصًا مع رغبتها في تعزيز نفوذها في سوق الطاقة العالمية.
لكن منتقدين يقولون إن التركيز على النفط قد يدفع واشنطن إلى تفضيل “الاستقرار القابل للإدارة” على حساب بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة.
تقارب عسكري بين الشرق والغرب
في المقابل، تشير واشنطن إلى وجود مؤشرات إيجابية على إمكانية تحقيق تقدم سياسي، منها إقرار ميزانية وطنية موحدة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، إضافة إلى تدريبات عسكرية مشتركة بين قوات الشرق والغرب تحت إشراف القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا.
كما زادت الاتصالات بين المسؤولين العسكريين من الطرفين، في محاولة لتقليل احتمالات اندلاع مواجهة جديدة.
وزار صدام حفتر واشنطن مؤخرًا، حيث عقد لقاءات مع مسؤولين أميركيين، بينما أجرى مسؤولون من حكومة طرابلس محادثات مع ممثلين عن الإدارة الأميركية.
بين الواقعية السياسية ومخاطر إعادة إنتاج الأزمة
يرى مؤيدو السياسة الأميركية أن واشنطن تتعامل مع حقيقة صعبة، وهي أن الأطراف التي تملك النفوذ العسكري والسياسي هي المفتاح لأي اتفاق قابل للتنفيذ.
لكن خصوم هذا النهج يحذرون من أن تجاوز الانتخابات والمجتمع المدني قد يؤدي إلى تثبيت سلطة النخب نفسها التي ساهمت في استمرار الأزمة منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وبينما تراهن الولايات المتحدة على صفقة تجمع الفرقاء الليبيين حول طاولة واحدة، يبقى السؤال الأكبر: هل ستكون هذه الخطوة بداية طريق نحو دولة موحدة، أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق أزمة جديدة؟
ففي ليبيا، لطالما كان النفط عامل جذب للقوى الدولية، لكن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن السيطرة على الموارد لا تكفي لصناعة السلام، وأن أي اتفاق لا يحظى بشرعية شعبية قد يتحول إلى وقود لصراع جديد.











