تل أبيب تسرّع ثورة صناعية عسكرية لتقليل اعتمادها على واشنطن، وسط سباق لتعويض مخزون الذخائر بعد حروب غزة وإيران ولبنان وتعزيز قدراتها لخوض مواجهات طويلة
تل أبيب- المنشر_الاخباري
في تحول قد يعيد رسم مستقبل القوة العسكرية الإسرائيلية، تستعد تل أبيب لإنتاج قنابل JDAM الذكية محليًا على نطاق واسع خلال عامين، في خطوة تهدف إلى إنهاء عقود من الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة في واحدة من أهم ركائز الحرب الحديثة: الذخائر الدقيقة.
وتأتي الخطة في أعقاب أزمة غير مسبوقة بين إسرائيل وإدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2024، بعدما فرضت واشنطن قيودًا جزئية على شحنات بعض القنابل والأسلحة بسبب خلافات مرتبطة بالعملية العسكرية الإسرائيلية في رفح بقطاع غزة، وهو ما دفع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة تقييم اعتمادها على الإمدادات الخارجية.
وبدأت إسرائيل منذ أواخر عام 2024 برنامجًا واسعًا لتعزيز إنتاجها المحلي من الذخائر، بناءً على توجيهات وزير الدفاع السابق يوآف غالانت وتوصيات لجنة برئاسة القاضي يعقوب توركل، بهدف بناء قدرة عسكرية مستقلة قادرة على مواجهة أزمات طويلة دون انتظار شحنات خارجية.
في البداية ركز البرنامج على إنتاج القنابل التقليدية، لكنه توسع لاحقًا ليشمل أسلحة أكثر تطورًا، وعلى رأسها قنابل JDAM التي تعد من أهم الذخائر الجوية الحديثة، حيث تحول القنابل التقليدية إلى أسلحة موجهة بدقة عبر إضافة أنظمة ملاحة وتوجيه متقدمة.
وتمنح هذه القنابل القوات الجوية قدرة أكبر على إصابة أهداف محددة في مختلف الظروف الجوية، وهو ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في الحروب الحديثة، خاصة في العمليات التي تتطلب ضربات دقيقة بعيدة المدى.
من الاعتماد على واشنطن إلى “استقلال الذخيرة”
لطالما اعتمدت إسرائيل بشكل كبير على الولايات المتحدة في الحصول على القنابل والصواريخ والمكونات العسكرية، خاصة خلال فترات التصعيد الكبرى.
لكن الحرب في غزة، ثم المواجهات مع إيران ولبنان، كشفت حجم الحاجة الإسرائيلية إلى امتلاك مخزون محلي قادر على تلبية الطلب العسكري المتزايد.
وخلال السنوات الأخيرة، زادت إسرائيل استثماراتها في شركات الصناعات الدفاعية المحلية، وعلى رأسها شركة “إلبيت سيستمز”، حيث وقعت وزارة الدفاع الإسرائيلية في يناير 2025 اتفاقيات بقيمة نحو مليار شيكل لتوسيع إنتاج الذخائر وتعزيز سلاسل الإمداد العسكرية.
كما أبرمت الوزارة عقودًا متعددة السنوات لشراء ذخائر جوية بقيمة مئات الملايين من الشواكل، بهدف رفع الإنتاج المحلي وضمان توفر مخزون كافٍ لأي مواجهة مستقبلية.
حروب متعددة تدفع إسرائيل لتغيير استراتيجيتها
جاء تسريع خطط الإنتاج العسكري في ظل خوض إسرائيل مواجهات على أكثر من جبهة، ما تسبب في استنزاف كبير لمخزون الذخائر.
وخلال الحرب مع إيران ولبنان، أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية عن زيادة إنتاج الذخائر، مؤكدة أن الاستعدادات المبكرة وتوسيع خطوط التصنيع المحلية ساعدا الجيش على مواصلة عملياته دون قيود كبيرة.
وقال مسؤولون إسرائيليون إن التجربة الأخيرة أثبتت أهمية امتلاك قدرة تصنيع داخلية تسمح بتحويل احتياجات الميدان إلى إنتاج سريع، بدلًا من انتظار قرارات سياسية أو لوجستية من الحلفاء.
معركة التمويل.. السلاح يحتاج إلى مليارات
رغم الطموح الإسرائيلي، واجه برنامج توسيع الإنتاج العسكري عقبات مالية داخلية.
وبحسب تقارير، شهدت وزارة الدفاع خلافات مع وزارة المالية حول حجم التمويل المطلوب لزيادة إنتاج الذخائر، إضافة إلى تعزيز إنتاج صواريخ الاعتراض لمنظومة “آرو 3” المضادة للصواريخ الباليستية.
وكانت صفقة بيع منظومة “آرو” إلى ألمانيا أحد الحلول التي ساعدت إسرائيل على توفير موارد إضافية، حيث سمحت العائدات المالية بتوسيع إنتاج الصواريخ الاعتراضية وزيادة قدرة الجيش على مواجهة تهديدات الصواريخ بعيدة المدى.
ورغم الانتقادات التي وجهت لإرسال بعض صواريخ الاعتراض إلى ألمانيا خلال فترة الحرب، فإن مسؤولين إسرائيليين قالوا إن الصفقة ساعدت على تمويل زيادة الإنتاج، وأن الكميات المرسلة كانت محدودة مقارنة بالمخزون الإسرائيلي.
هل تستعد إسرائيل لعصر ما بعد المظلة الأميركية؟
لا يعني توجه إسرائيل نحو التصنيع العسكري المحلي نهاية تحالفها الدفاعي مع الولايات المتحدة، إذ لا تزال واشنطن أكبر داعم عسكري لتل أبيب، وتوفر لها تقنيات وأنظمة متقدمة.
لكن التحول الجديد يعكس إدراكًا إسرائيليًا بأن الاعتماد الكامل على الخارج قد يمثل نقطة ضعف استراتيجية في أوقات الحروب الكبرى.
ويرى مراقبون أن إنتاج قنابل JDAM محليًا يمثل جزءًا من مشروع أكبر يهدف إلى تحويل إسرائيل من دولة تعتمد على خطوط الإمداد الخارجية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرة إنتاجية مستقلة تمكنها من خوض صراعات طويلة ومعقدة.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، من إيران إلى لبنان وغزة، تبدو إسرائيل مصممة على بناء “اقتصاد حرب” قادر على دعم عمليات عسكرية ممتدة، حتى في حال تغيرت الظروف السياسية مع حلفائها الدوليين.








