بعد دخول عشرات الآلاف خلال أيام وسقوط عشرات الضحايا.. بروكسل تتهم شبكات التهريب والتضليل الإلكتروني بإشعال الأزمة وتدعو لتشديد حماية الحدود
بروكسل- المنشر_الاخباري
تشهد الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي واحدة من أكبر أزمات الهجرة في السنوات الأخيرة، بعد موجة عبور جماعي غير مسبوقة إلى مدينة سبتة الإسبانية الواقعة في شمال القارة الأفريقية، الأمر الذي دفع الدول الأوروبية إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة تداعيات الأزمة والبحث عن إجراءات جديدة للحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.
وقال مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر إن ما حدث في سبتة لم يكن مجرد تحرك عفوي للمهاجرين، بل جاء نتيجة نشاط منظم لشبكات إجرامية متخصصة في تهريب البشر، إلى جانب حملات تضليل انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي وشجعت آلاف الأشخاص على محاولة الوصول إلى الأراضي الأوروبية.
وأضاف المسؤول الأوروبي، عقب اجتماع وزراء داخلية دول الاتحاد، أن التحقيقات بشأن ملابسات الأزمة ما زالت مستمرة، مشيراً إلى أنه لا يستطيع في الوقت الحالي تحديد مسؤولية أي طرف بشكل مباشر، لكنه أكد أن ظاهرة التضليل الإلكتروني واستغلال المهاجرين من قبل المهربين أصبحت عاملاً رئيسياً في تصعيد مثل هذه الأزمات.
وتقع مدينة سبتة في موقع جغرافي حساس، فهي منطقة تابعة لإسبانيا داخل القارة الأفريقية، وتشكل مع مدينة مليلية نقطتي اتصال بريتين بين الاتحاد الأوروبي والمغرب. ولهذا السبب أصبحت المدينتان منذ سنوات هدفاً رئيسياً للمهاجرين الراغبين في دخول أوروبا، سواء عبر الأسوار الحدودية أو عبر البحر.
وخلال الأيام الماضية، شهدت سبتة تدفقاً ضخماً للمهاجرين عبر الحدود، حيث تمكن نحو 72 ألف شخص من الوصول إلى المنطقة الإسبانية، وفق التقارير، في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي تواجهها أوروبا منذ أزمة اللاجئين الكبرى عامي 2015 و2016.
وتسببت عمليات العبور في حالة استنفار أمني واسع، حيث انتشرت وحدات من الجيش والشرطة الإسبانية للمساعدة في السيطرة على الوضع وتنظيم عمليات التعامل مع الأعداد الكبيرة من الوافدين، بينما بدأت السلطات إجراءات لتحديد هويات الأشخاص الذين دخلوا المنطقة وترتيب أوضاعهم القانونية.
ولم تمر الأزمة دون خسائر بشرية، إذ أفادت تقارير بأن نحو 75 مهاجراً لقوا مصرعهم أثناء محاولات العبور، حيث توفي بعضهم غرقاً خلال الرحلات البحرية الخطرة، بينما تعرض آخرون للاختناق أو السحق بسبب التدافع والفوضى التي رافقت محاولات اجتياز الحدود.
وأثارت هذه الأرقام موجة من الجدل داخل أوروبا، حيث طالبت حكومات عدة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمنع تكرار مثل هذه الأحداث، مع التركيز على تفكيك شبكات التهريب التي تحقق أرباحاً كبيرة من استغلال الأشخاص الذين يبحثون عن حياة أفضل.
وخلال الاجتماع الأوروبي الطارئ، دعا وزراء الداخلية إلى تعزيز التعاون مع الدول الواقعة خارج الاتحاد الأوروبي، خصوصاً دول شمال أفريقيا، باعتبارها شريكاً أساسياً في مواجهة الهجرة غير النظامية.
كما ناقش الوزراء زيادة تبادل المعلومات الأمنية بين الدول الأوروبية، وتطوير آليات لمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي بهدف اكتشاف الحملات المنظمة التي قد تؤدي إلى موجات هجرة مفاجئة، إضافة إلى تعزيز قدرات حماية الحدود الخارجية للاتحاد.
وقال مسؤولون أوروبيون إن التعامل مع الأزمة لا يمكن أن يعتمد فقط على الإجراءات الأمنية، بل يحتاج أيضاً إلى اتفاقات طويلة الأمد مع دول المنشأ والعبور، بهدف معالجة أسباب الهجرة ومنع استغلال المهاجرين من قبل الجماعات الإجرامية.
وفي المقابل، أثارت الأزمة تساؤلات حول دور المغرب، خاصة مع اتهامات من بعض المحللين بأن السلطات المغربية ربما لم تمنع عمليات العبور بالشكل الكافي. وأشار هؤلاء إلى حوادث سابقة شهدت توترات بين الرباط ومدريد، تم خلالها استخدام ملف الهجرة كأداة ضغط سياسية.
وكانت أزمة مشابهة قد وقعت في مايو 2021، عندما دخل آلاف المهاجرين إلى سبتة بعد تخفيف مفاجئ لإجراءات الرقابة على الحدود المغربية، وهي الخطوة التي ربطها مراقبون آنذاك بخلاف سياسي بين المغرب وإسبانيا يتعلق بقضية الصحراء الغربية.
لكن المغرب رفض هذه الاتهامات، مؤكداً أن موجة العبور الأخيرة كانت نتيجة تضليل واسع عبر الإنترنت ونشاط شبكات تهريب البشر، إضافة إلى سوء فهم بعض القرارات القانونية الإسبانية.
وتزامنت الأزمة مع استمرار اعتماد الاتحاد الأوروبي على اتفاقيات الهجرة مع دول شمال أفريقيا بهدف تقليل أعداد الوافدين، إلا أن منتقدين لهذه السياسة يرون أنها تجعل أوروبا تعتمد بشكل كبير على تعاون دول خارج الاتحاد، ما قد يمنح تلك الدول قدرة على استخدام ملف الحدود كورقة تفاوض سياسية واقتصادية.
ومنذ أزمة اللاجئين الكبرى قبل نحو عقد، أصبح ملف الهجرة أحد أكثر الملفات انقساماً داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تختلف الدول الأعضاء حول كيفية توزيع المسؤوليات، وطريقة التعامل مع طلبات اللجوء، ومستوى الرقابة على الحدود.
وتستغل الأحزاب اليمينية المتشددة في عدد من الدول الأوروبية هذا الملف لتعزيز شعبيتها، مطالبة بسياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة، بينما تؤكد منظمات حقوقية ضرورة حماية حقوق الأشخاص الفارين من الحروب والفقر والاضطرابات السياسية.
وفي هذا السياق، طالبت الدنمارك وإيطاليا خلال الاجتماع الأوروبي الأخير بإجراءات أكثر تشدداً. ودعت كوبنهاغن إلى زيادة التمويل الأوروبي المخصص لحماية الحدود، بينما اقترحت روما إنشاء مراكز خارج الاتحاد الأوروبي لمعالجة طلبات اللجوء وتسريع عمليات إعادة الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم شروط الحماية.
كما دعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى إنشاء آلية أوروبية للطوارئ تسمح بالتعامل السريع مع موجات الدخول الجماعي، بما في ذلك إمكانية اتخاذ إجراءات استثنائية خلال الأزمات الكبيرة.
ورغم التركيز الرسمي على الجوانب الأمنية والسياسية، حذرت جهات إنسانية من أن النقاش الأوروبي يجب ألا يتجاهل الجانب الإنساني للأزمة، مؤكدة أن العديد من المهاجرين يخاطرون بحياتهم بسبب الفقر أو النزاعات أو غياب فرص العمل في بلدانهم الأصلية.
وتعيد أزمة سبتة فتح النقاش داخل أوروبا حول مستقبل سياسة الهجرة، ومدى قدرة الاتحاد الأوروبي على حماية حدوده مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزاماته القانونية والإنسانية.
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمات المشابهة سيجبر الاتحاد الأوروبي على إعادة تقييم استراتيجيته، عبر الجمع بين تشديد الرقابة الحدودية، ومكافحة شبكات التهريب، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والسياسية التي تدفع ملايين الأشخاص إلى البحث عن طريق نحو أوروبا.










