طهران تقترب من تفاهم ملاحي مع مسقط، لكنها ترفض فتح مضيق هرمز بشكل كامل قبل معالجة ما تعتبره خروقات أمريكية وتعويضها عن الأضرار.. والحرس الثوري يؤكد أن قرار إعادة الفتح بيد إيران وحدها
طهران – المنشر_الاخباري
دخلت أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة من المفاوضات، بعدما أعلنت إيران وسلطنة عُمان اقترابهما من التوصل إلى اتفاق بشأن آلية جديدة لتنظيم حركة السفن عبر الممر البحري الاستراتيجي، في وقت تؤكد فيه طهران أن التوصل إلى تفاهم مع مسقط لا يعني تلقائيًا عودة الملاحة إلى طبيعتها.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال، السبت، إن المفاوضات مع عُمان بشأن الإطار القانوني وآلية إدارة الملاحة في مضيق هرمز، بما في ذلك تحديد مسارات عبور السفن، أصبحت “قريبة جدًا” من التوصل إلى اتفاق.
لكن عراقجي وضع في الوقت نفسه شرطًا أساسيًا أمام إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق فقط بالتفاهم الفني مع عُمان، وإنما يرتبط أيضًا بالتزامات أخرى، أبرزها تعويض إيران عن الانتهاكات التي تقول إن الولايات المتحدة ارتكبتها بحق مذكرة التفاهم المعروفة باسم “مذكرة إسلام آباد”.
وقال عراقجي إن طهران ومسقط تبحثان، في ظل التعقيدات الفنية والقانونية المرتبطة بحركة الملاحة، إنشاء مسار ملاحي مؤقت يمكن أن يتحول لاحقًا إلى أساس لترتيب دائم.
وتأتي هذه الخطوة بعد مباحثات بين القوات البحرية والعسكرية الإيرانية والعُمانية، جرت بالاستناد إلى الخرائط البحرية الموجودة، بهدف تحديد المسار الجديد بصورة دقيقة.
وأوضح وزير الخارجية الإيراني أن تحديد المسار النهائي سيتم بعد استكمال هذه المباحثات، في إشارة إلى أن الجانبين يحاولان الفصل بين الجانب الفني للملاحة وبين الملفات السياسية والأمنية الأكثر تعقيدًا.
وتصر طهران على أن الولايات المتحدة أخلّت بالتزاماتها بموجب مذكرة التفاهم، وأن أي ترتيبات جديدة بشأن مضيق هرمز يجب أن تتعامل مع هذه المسألة بصورة كاملة.
وبحسب الرواية الإيرانية، نصت المادة الخامسة من مذكرة إسلام آباد على أن تعود ظروف الملاحة عبر المضيق إلى مستوياتها الطبيعية خلال شهر.
وتقول إيران إنها التزمت بهذا البند، مشيرة إلى أن حركة السفن عبر المضيق وصلت إلى نحو 60 بالمئة من مستوياتها الطبيعية خلال أسبوعين فقط من الاتفاق المؤقت.
لكن طهران تتهم واشنطن بمحاولة إنشاء مسارات ملاحية جديدة داخل المضيق، رغم تحذيرات إيرانية متكررة، وترى أن هذه الخطوة تمثل محاولة للتأثير في آلية إدارة الملاحة وتقويض ما تعتبره حقها في تنظيم حركة السفن وفق التفاهمات القائمة.
وبناء على ذلك، أعادت إيران فرض قيود على حركة العبور، مؤكدة أن أي حركة للسفن في المضيق يجب أن تتم وفق الآليات والترتيبات التي تحددها طهران.
وهنا يبرز الدور العُماني باعتباره عاملًا رئيسيًا في محاولة احتواء الأزمة.
فعُمان، التي تربطها علاقات وثيقة بكل من إيران والولايات المتحدة، تسعى إلى التوصل إلى صيغة تسمح باستمرار حركة الملاحة، من دون تحويل المضيق إلى ساحة مواجهة جديدة بين القوى الإقليمية والدولية.
غير أن طهران توضح أن الاتفاق مع مسقط لن يكون كافيًا وحده لإعادة فتح المضيق بصورة كاملة.
المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، العميد حسين محيبي، أكد السبت أن إعادة فتح مضيق هرمز مرتبطة بقبول الولايات المتحدة بالشروط الإيرانية وإنهاء تدخلها في المفاوضات الإقليمية.
وقال إن إعادة فتح المضيق تخضع لآليات وشروط محددة تضعها الجمهورية الإسلامية، وإنها ليست نتيجة تلقائية للمفاوضات الجارية بين إيران وعُمان.
ويكشف هذا الموقف عن تعقيد المفاوضات الحالية؛ فبينما تتحرك طهران ومسقط على المسار الفني والقانوني، يبقى الخلاف الأساسي بين إيران وواشنطن حاضرًا في خلفية المشهد.
ولا يتعلق الأمر بالنسبة لإيران فقط بمسارات السفن، بل بمسألة السيادة وآلية إدارة أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
مضيق هرمز يمثل شريانًا رئيسيًا لحركة الطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس على أسواق النفط والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد الدولية.
ولهذا فإن استمرار القيود أو عودة الملاحة إلى طبيعتها لا يمثلان مجرد ملف إيراني ـ عُماني، بل قضية تتجاوز المنطقة إلى الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، فإن التقدم في المفاوضات بين طهران ومسقط قد يفتح الباب أمام تخفيف القيود تدريجيًا، لكنه لا يضمن وحده إنهاء الأزمة.
إيران تريد، وفق تصريحات مسؤوليها، معالجة ما تعتبره خرقًا أمريكيًا لمذكرة التفاهم، وضمان عدم فرض ترتيبات ملاحية من خارج الآليات المتفق عليها، إضافة إلى الحصول على تعويض عن الأضرار الناتجة عن هذه الانتهاكات.
وفي المقابل، فإن قبول واشنطن بهذه المطالب سيعني تقديم تنازلات في ملف شديد الحساسية يتعلق بإدارة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يجعل القرار الأمريكي المقبل عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الأزمة.
وبينما تستمر الاتصالات بين إيران وعُمان، تبدو الرسالة الإيرانية واضحة: الطريق إلى إعادة فتح هرمز يمر عبر التفاوض، لكنه لن يكون مفتوحًا بلا شروط.
فطهران تريد اتفاقًا يضمن سلامة الملاحة، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تتحول الترتيبات الملاحية إلى وسيلة للضغط عليها أو الانتقاص من دورها في إدارة المضيق.
ومع اقتراب إيران وعُمان من اتفاق جديد، يبقى السؤال الأهم: هل ستقبل واشنطن بالشروط الإيرانية، أم أن مضيق هرمز سيظل ورقة الضغط الأقوى في المواجهة بين طهران وواشنطن؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مستقبل حركة السفن في المضيق، وإنما أيضًا اتجاه الأزمة الأوسع في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.










