الرئيس الإيراني يعلن الاستعداد لمواجهة المخاطر مهما بلغت، ويحذر من استهداف الجبهة الداخلية والانقسامات السياسية باعتبارها سلاحًا أخطر من الحرب المباشرة
طهران – المنشر_الاخباري
رفع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان سقف لهجته تجاه الولايات المتحدة، مؤكدًا أن إيران لن تتراجع أمام الضغوط، وأن الشعب الإيراني سيقف حتى النهاية خلف أي قرار تتخذه القيادة بشأن مستقبل المواجهة.
وقال بزشكيان، السبت، خلال مؤتمر صحفي بمناسبة يوم الصحفيين في إيران، إن القرار النهائي في القضايا العسكرية والاستراتيجية يعود إلى القيادة، مؤكدًا أن الإيرانيين سيلتزمون بهذا القرار أيًا كان اتجاهه.
وأضاف أن القادة العسكريين هم الأقدر على تقييم طبيعة المعركة وقدرات البلاد، مشددًا على أن “القيادة تقرر، وأيًا كان القرار الذي تتخذه، سنقف حتى النهاية”.
وتحمل تصريحات الرئيس الإيراني رسالة واضحة إلى الخارج والداخل في آن واحد: طهران لا تريد أن تبدو منقسمة في مواجهة الضغوط، كما أنها لا تريد أن تترك للخصوم فرصة الاعتقاد بأن التهديد العسكري يمكن أن يدفعها إلى التراجع.
وأكد بزشكيان أنه لا يخشى القتال أو البقاء في الميدان، بل قال إن المسؤولين الإيرانيين مستعدون لتحمل المخاطر مهما كانت، وصولًا إلى احتمال تعرضهم للاغتيال.
وقال في تصريح لافت: “قد يغتالوننا يومًا ما، فليكن”.
وتأتي هذه اللهجة في وقت تشهد فيه المنطقة مرحلة شديدة التوتر، مع استمرار تداعيات الحرب والمواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى جانب تصاعد الملفات المرتبطة بمضيق هرمز وأمن الخليج ومسارات الملاحة الدولية.
لكن بزشكيان ركز في جزء كبير من خطابه على ما يعتبره المعركة الأخطر: الداخل الإيراني.
فبحسب الرئيس الإيراني، لم يعد بإمكان الخصوم الاعتماد على الصواريخ والقصف وحدهما لإجبار إيران على الخضوع، ولذلك فإن محاولة ضرب الوحدة الداخلية وزيادة الانقسامات الاجتماعية والسياسية قد تكون جزءًا أساسيًا من استراتيجية الضغط.
وقال إن الولايات المتحدة وإسرائيل والمحللين المرتبطين بهما يعرفون أن دولة ما لا يمكن إجبارها على الاستسلام بمجرد الحرب والصواريخ، لكن خلق الانقسام والصراع الداخلي يمكن أن يوفر الظروف اللازمة لذلك.
ومن هنا دعا الرئيس الإيراني مختلف القوى والتيارات الاجتماعية والسياسية إلى عدم السماح للخلافات بأن تتحول إلى مواجهة داخلية.
وشدد على أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، لكن الأهم هو التركيز على القضايا المشتركة التي تجمع الإيرانيين بدلًا من تضخيم نقاط الخلاف.
وقال إن الهدف يجب أن يكون إبراز المساحات التي تتفق عليها مختلف الأطراف ووضعها في مقدمة المشهد، بدلًا من تحويل الخلافات إلى محور دائم للنقاش.
وفي هذا الإطار، منح بزشكيان وسائل الإعلام مسؤولية خاصة في المرحلة الحالية، داعيًا الصحفيين إلى المساهمة في تعزيز الوحدة والتماسك الوطني.
وتأتي هذه الدعوة في ظل تصاعد ما تعتبره طهران حربًا إعلامية وسياسية موازية للمواجهة العسكرية، حيث ترى القيادة الإيرانية أن التأثير في الرأي العام ومحاولة إضعاف الثقة بالمؤسسات يمكن أن يكونا جزءًا من أدوات الضغط الخارجي.
كما استحضر بزشكيان إرث المرشد الإيراني الراحل آية الله سيد علي خامنئي، مؤكدًا أن أفكاره وطريقه ورؤيته ستبقى حاضرة في الوعي الإيراني.
وفي المقابل، شدد الرئيس الإيراني على أن البلاد لا تزال مطالبة بالتعامل مع مشكلات داخلية حقيقية، داعيًا الجميع إلى التعاون بدلًا من تعميق الاستقطاب.
وقال إن إيران تواجه “حربًا شاملة”، وإن تجاوز هذه المرحلة يتطلب أن تتكاتف جميع شرائح المجتمع.
وتأتي تصريحات بزشكيان بالتزامن مع تشدد إيراني واضح في ملفات إقليمية أخرى.
ففي قضية مضيق هرمز، أكدت طهران أن إعادة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية لن تتم بلا شروط، بينما تجري مفاوضات مع سلطنة عُمان بشأن آلية جديدة لإدارة حركة السفن.
لكن إيران تميز بوضوح بين التفاوض مع عُمان وبين قرار إعادة فتح المضيق، مؤكدة أن أي اتفاق فني أو قانوني مع مسقط لا يعني تلقائيًا إنهاء القيود.
وتطالب طهران أيضًا بمعالجة ما تصفه بخروقات أمريكية لمذكرة تفاهم سابقة، إلى جانب ضمان عدم فرض ترتيبات ملاحية من خارج الآليات التي تقبل بها إيران.
وتعكس هذه المواقف مسارًا إيرانيًا يقوم على الجمع بين التفاوض والتمسك بالشروط، مع إبقاء أوراق الضغط الإقليمية قائمة إلى حين الحصول على ضمانات تعتبرها طهران كافية.
وفي الوقت نفسه، يريد بزشكيان أن يوجه رسالة مختلفة إلى الداخل: مهما كانت الخلافات، فإن انهيار الوحدة الوطنية سيكون أخطر من أي ضغط خارجي.
ولهذا ركز الرئيس الإيراني على ضرورة تحويل نقاط الاتفاق إلى قاعدة للعمل السياسي والاجتماعي، وعدم منح الخصوم فرصة لاستغلال الانقسامات.
وبينما تراقب واشنطن وتل أبيب الموقف الإيراني، تبدو طهران حريصة على إظهار أن الضغط العسكري لم يحقق هدف إخضاعها، وأن أي محاولة للانتقال من الضغط الخارجي إلى تفكيك الداخل ستواجه، بحسب القيادة الإيرانية، بمزيد من التماسك.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع إيران الحفاظ على وحدتها الداخلية مع استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية، أم أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة النظام والمجتمع على الصمود بصورة أكبر؟
ما هو مؤكد أن بزشكيان اختار أن يبعث برسالة شديدة الوضوح: القرار للقيادة، والشعب سيقف خلفه، وأي محاولة لإجبار إيران على التراجع بالقوة أو عبر تفجير خلافاتها الداخلية لن تكون، بحسب موقف طهران، طريقًا سهلًا لتحقيق أهدافها.










