علي أكبر ولايتي يدعو دول المنطقة إلى تولي أمنها بنفسها، ويعتبر أن المواجهة الأخيرة مع واشنطن وتل أبيب عززت القناعة بخروج القوات الأجنبية وإعادة تشكيل المعادلة الأمنية الإقليمية.
طهران – المنشر_الاخباري
في واحدة من أكثر الرسائل السياسية وضوحًا بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، دعا مستشار قائد الثورة الإيرانية للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، إلى خروج القوات الأجنبية من غرب آسيا، معتبرًا أن وجودها العسكري يمثل مصدرًا رئيسيًا لعدم الأمن والاستقرار.
وقال ولايتي، في منشور عبر منصة «إكس» السبت، إن التطورات الأخيرة عززت الاعتقاد بأن القوات الأجنبية، التي وصفها بأنها السبب الرئيسي لعدم الاستقرار، يجب أن تغادر المنطقة.
وأضاف أن دول غرب آسيا لا تحتاج إلى الاعتماد على قوى خارجية لضمان أمنها، مؤكدًا أن دول المنطقة تمتلك الإمكانات اللازمة لحماية أمنها بنفسها، إذا جرى تعزيز التنسيق والتعاون فيما بينها.
وتأتي تصريحات ولايتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن مع تصاعد النقاش حول مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي في غرب آسيا بعد المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وتحاول طهران تقديم التطورات الأخيرة باعتبارها نقطة تحول في ميزان القوى، وليس مجرد جولة جديدة من التصعيد العسكري.
ويربط المسؤول الإيراني بين ما وصفه بصمود القوات المسلحة الإيرانية وثبات الشعب الإيراني ودور ما يسميه «محور المقاومة»، وبين تنامي القناعة بضرورة إنهاء الاعتماد على القوات والقواعد الأجنبية في حماية دول المنطقة.
وبحسب الموقف الإيراني، فإن وجود القوات الأمريكية في المنطقة لم يؤد إلى إنهاء الأزمات الأمنية، بل ساهم في إبقاء المنطقة داخل دائرة مستمرة من التوتر والصراع.
وتعتبر طهران أن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول المنطقة تمثل عاملًا أساسيًا في المعادلة العسكرية الحالية، لأنها توفر لواشنطن نقاط ارتكاز تسمح لها بتنفيذ عمليات عسكرية والوصول إلى أهداف في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، تدفع إيران باتجاه صياغة نموذج أمني جديد يقوم على التعاون بين دول غرب آسيا، بدلًا من استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة والقوى الأجنبية.
ويكتسب هذا الطرح أهمية إضافية في ظل التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي أصبح خلال المواجهة الأخيرة ورقة استراتيجية شديدة الحساسية.
وقد أكدت طهران أن إعادة الملاحة عبر المضيق إلى مستوياتها الطبيعية لا ترتبط فقط بالمفاوضات الفنية، وإنما أيضًا بمجموعة من الشروط السياسية والقانونية التي ترى إيران أنها ضرورية لضمان احترام ترتيبات الملاحة وسيادتها.
وفي الوقت نفسه، تجري إيران وسلطنة عُمان محادثات بشأن آلية جديدة لإدارة حركة السفن، فيما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن البلدين باتا قريبين من التوصل إلى اتفاق.
لكن طهران أوضحت أن أي تفاهم مع مسقط لا يعني تلقائيًا إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، وأن تنفيذ التزامات أمريكية محددة سيظل عنصرًا أساسيًا في قرار إعادة الملاحة الطبيعية.
وهنا تتقاطع تصريحات ولايتي مع الموقف الإيراني الأوسع؛ فطهران لا تريد فقط معالجة أزمة الملاحة، وإنما تريد الدفع باتجاه معادلة إقليمية جديدة تكون فيها دول المنطقة صاحبة القرار في أمن الممرات البحرية والمجال الإقليمي.
كما تأتي دعوة ولايتي في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة نقاشًا متزايدًا حول كلفة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، خصوصًا مع تعرض مصالحها ومواقعها العسكرية لضغوط متصاعدة خلال المواجهة الأخيرة.
وتقول طهران إن الردود العسكرية الإيرانية على مواقع أمريكية في المنطقة أظهرت أن الوجود العسكري الأمريكي لم يعد يوفر الحماية التي كانت واشنطن وحلفاؤها يعتمدون عليها، بل أصبح في نظر إيران عاملًا يمكن أن يجعل الدول المستضيفة للقواعد طرفًا في أي مواجهة مستقبلية.
ولهذا تسعى القيادة الإيرانية إلى تحويل مسألة الوجود العسكري الأمريكي من قضية ثنائية بين طهران وواشنطن إلى قضية إقليمية، عبر طرح فكرة أن أمن الخليج وغرب آسيا يجب أن يكون مسؤولية جماعية لدول المنطقة.
ويعني نجاح هذا الطرح، إذا تحقق، تغييرًا كبيرًا في بنية الأمن الإقليمي التي تشكلت على مدى عقود.
فالدول الخليجية تعتمد بدرجات متفاوتة على التعاون العسكري والأمني مع الولايات المتحدة، بينما تحتفظ واشنطن بشبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية التي تمنحها قدرة على التحرك السريع في المنطقة.
لكن إيران تراهن على أن استمرار الصراعات والتصعيد سيجعل بعض دول المنطقة تعيد تقييم جدوى هذا الوجود، خصوصًا إذا أصبحت القواعد والمنشآت العسكرية نفسها أهدافًا محتملة في أي حرب مستقبلية.
وفي المقابل، فإن الانتقال إلى منظومة أمن إقليمية مستقلة لن يكون سهلًا، إذ توجد خلافات عميقة بين دول المنطقة حول طبيعة التهديدات، والعلاقات مع إيران، ومستقبل التحالفات الدولية.
ومع ذلك، فإن الرسالة التي حملتها تصريحات ولايتي تتجاوز الدعوة التقليدية إلى انسحاب القوات الأجنبية.
إنها دعوة لإعادة تعريف من يملك قرار الأمن في المنطقة.
فمن وجهة نظر طهران، لا يمكن بناء استقرار دائم في غرب آسيا عبر حاملات الطائرات والقواعد العسكرية والقوات الأجنبية، وإنما من خلال تفاهمات مباشرة بين الدول التي تتقاسم الجغرافيا والممرات البحرية والمصالح الاقتصادية.
وبينما تراقب واشنطن وحلفاؤها هذه الدعوات، تواصل إيران رفع سقف خطابها بشأن مستقبل المنطقة، واضعة أمام دول غرب آسيا خيارًا استراتيجيًا واضحًا: استمرار الاعتماد على المظلة الأمريكية، أو الاتجاه نحو منظومة أمن إقليمية تقودها دول المنطقة نفسها.
ويبقى السؤال الذي قد يفرض نفسه بقوة خلال المرحلة المقبلة: هل تتحول المواجهة الأخيرة إلى بداية فعلية لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في غرب آسيا، أم أن واشنطن ستعيد ترتيب انتشارها للحفاظ على نفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية؟










