واشنطن – المنشر_الاخباري
كشفت وثائق رسمية مودعة لدى وزارة العدل الأمريكية عن حملة اتصالات مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية، تتضمن أعمالًا رقمية وإعلامية بقيمة معلنة تصل إلى مليون دولار، بهدف إنتاج محتوى وتوزيعه على الجمهور داخل الولايات المتحدة.
وتظهر الملفات أن شركة أمريكية متخصصة في الإعلام والاتصالات تعمل ضمن ترتيب تجاري لصالح جهات مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية، في إطار أنشطة مسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي «FARA».
وبحسب الوثائق، يتضمن الاتفاق الأساسي مشروعًا بقيمة 900 ألف دولار لإنتاج محتوى رقمي، وإجراء أبحاث حول الجمهور، وكتابة النصوص، وإنتاج مقاطع الفيديو، ووضع استراتيجيات للنشر والتوزيع عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما أضيف لاحقًا عقد آخر بقيمة 100 ألف دولار لمبادرة تهدف إلى إعداد ونشر محتوى وصفته الوثائق بأنه «دقيق وموثق وسهل الوصول»، ليرتفع إجمالي قيمة الأعمال المعلنة إلى نحو مليون دولار.
استهداف الجمهور الأمريكي
وتشير الملفات إلى أن المواد المنتجة كانت موجهة إلى الجمهور العام في الولايات المتحدة وباللغة الإنجليزية، مع الاعتماد على المواقع الإلكترونية ومنصات الفيديو القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستخدمين.
والأكثر إثارة للانتباه أن الوثائق صنفت بعض هذه الأنشطة ضمن ما يعرف قانونيًا بـ«النشاط السياسي»، باعتبار أن الاتصالات قد تتضمن مواد تهدف إلى التأثير في الجمهور الأمريكي.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحملة مرتبطة بانتخابات أمريكية أو أنها تستهدف التصويت بصورة مباشرة، لكنه يوضح أن النشاط يتجاوز الإعلان التجاري التقليدي إلى مجال التواصل السياسي والتأثير في الرأي العام.
من الإعلانات إلى صناعة المحتوى
وتكشف تفاصيل العقود أن الحملة لم تعتمد فقط على شراء مساحات إعلانية، بل شملت عملية متكاملة لصناعة المحتوى.
وتضمنت الميزانية مبالغ مخصصة للاستراتيجية والتطوير الإبداعي، والإنتاج المرئي، وكتابة النصوص، واختيار الجمهور، والتخطيط لتوزيع المواد، إضافة إلى تحليل أداء الحملات وقياس مدى انتشارها وتأثيرها.
وهذا يعكس تحولًا واضحًا في طبيعة الحملات السياسية الحديثة، حيث لم يعد الهدف مجرد نشر إعلان، وإنما بناء منظومة كاملة لإنتاج المعلومات وتوزيعها ومراقبة تفاعل الجمهور معها.
الذكاء الاصطناعي يدخل ساحة المعركة الإعلامية
وتزداد أهمية القضية مع ظهور محتوى مرتبط بهذه المنظومة في نتائج بعض أدوات الذكاء الاصطناعي.
فبعض التقارير المنشورة ضمن هذا الإطار تناولت موضوعات شديدة الحساسية، من بينها الحرب في غزة، والجيش الإسرائيلي، ومعاداة السامية، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وأظهرت اختبارات أجريت على بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي أن مواد صادرة عن جهة مرتبطة بهذا النشاط ظهرت ضمن المصادر المستخدمة في الإجابات المتعلقة بهذه القضايا.
لكن ظهور هذه المواد كمصادر لا يعني تلقائيًا أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبنى مضمونها أو أن المعلومات الواردة فيها صحيحة بالكامل، كما أن الوثائق المتاحة لا تثبت أن جميع الأنشطة الممولة كانت مصممة خصيصًا للتأثير على روبوتات الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، تكشف القضية عن تحول مهم في حرب المعلومات، حيث أصبح إنتاج المحتوى الرقمي واسع النطاق قادرًا على الوصول ليس فقط إلى المستخدمين مباشرة، وإنما أيضًا إلى البيئة المعلوماتية التي تعتمد عليها محركات البحث وبعض أنظمة الذكاء الاصطناعي.
مؤسسة تعترف بتمويل حكومي
ومن الجهات التي ظهرت في هذا السياق مؤسسة بحثية تنشر تقارير حول إسرائيل وفلسطين ومعاداة السامية، وتقول في تعريفها عن نفسها إنها لا تصف نفسها بأنها «مستقلة أو محايدة أو غير حزبية» بسبب طبيعة علاقتها التمويلية.
وتؤكد المؤسسة أن تقاريرها تعتمد على البيانات والمصادر، وأنها تنشر منهجياتها وتعرض المعلومات التي تستند إليها.
لكن ارتباطها بترتيب اتصالات ممول من جهة حكومية يجعل طبيعة هذه المواد محل اهتمام، خصوصًا عندما يتم تقديمها للجمهور في صورة تقارير بحثية وبيانات وتحليلات.
ماذا تثبت الوثائق؟
رغم أهمية المعلومات الواردة في الملفات، فإنها لا تثبت أن كامل مبلغ المليون دولار قد تم دفعه أو إنفاقه بالفعل.
كما لا تثبت أن كل المحتوى الذي أنتجته الجهات المشاركة كان مخصصًا لمؤسسة واحدة أو لمنصة بعينها.
لكنها تثبت بوضوح وجود عقود معلنة تبلغ قيمتها الإجمالية مليون دولار ضمن ترتيب اتصالات لصالح جهات مرتبطة بالحكومة الإسرائيلية، وأن هذه الأعمال تشمل إنتاج محتوى واستراتيجيات إعلامية وأبحاثًا وتوزيعًا موجهًا إلى الجمهور الأمريكي.
وتكشف أيضًا أن النشاط تم تسجيله لدى وزارة العدل الأمريكية وفق القواعد التي تنظم عمل الوكلاء الذين يمثلون مصالح حكومات أجنبية داخل الولايات المتحدة.
معركة جديدة على الرواية
وتأتي هذه الحملة في وقت أصبحت فيه المعركة على الرأي العام أكثر اعتمادًا على المنصات الرقمية.
فالجمهور لم يعد يحصل على المعلومات من الصحف والقنوات التلفزيونية فقط، بل من محركات البحث ومنصات الفيديو وشبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، فإن القدرة على إنتاج كميات كبيرة من المحتوى، وتحسين ظهوره على الإنترنت، وتوزيعه على شرائح محددة من الجمهور، أصبحت جزءًا أساسيًا من القوة السياسية والإعلامية للدول.
وهنا تبرز القضية الأكبر: من يصنع المعلومات التي يراها الجمهور؟ ومن يمولها؟ وكيف يمكن للمستخدم معرفة الجهة التي تقف خلفها؟
ففي الوقت الذي تتزايد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي كمصدر للمعلومات، تصبح السيطرة على البيئة الرقمية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وتشير الوثائق الأمريكية إلى أن الحكومة الإسرائيلية أو الجهات العاملة لصالحها خصصت مبالغ كبيرة لبناء حضور إعلامي ورقمي داخل الولايات المتحدة، في محاولة للوصول إلى الجمهور الأمريكي عبر محتوى منظم ومخطط له.
وفي النهاية، فإن الكشف عن هذه العقود لا يحسم وحده مدى نجاح الحملة في تغيير مواقف الأمريكيين، لكنه يكشف بوضوح أن المعركة على الرواية لم تعد تدور فقط في غرف الأخبار أو على شاشات التلفزيون، بل انتقلت إلى شبكات التواصل ومحركات البحث وحتى البيئة الجديدة التي تصنعها أنظمة الذكاء الاصطناعي.










