رئيس البرلمان الإيراني يتهم واشنطن بزعزعة أمن الشرق الأوسط.. والرئيس العراقي يؤكد أن أمن المنطقة يجب أن تصنعه دولها
بغداد- المنشر_الاخباري
اتهم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الولايات المتحدة بالسعي إلى نهب موارد دول المنطقة، معتبرًا أن الوجود العسكري الأميركي في الخليج لا يهدف إلى توفير الأمن، بل يمثل مصدرًا لعدم الاستقرار.
وجاءت تصريحات قاليباف خلال لقائه الرئيس العراقي نزار العميدي في بغداد، الأربعاء، في إطار زيارة رسمية يجريها رئيس البرلمان الإيراني إلى العراق على رأس وفد برلماني رفيع المستوى.
وقال قاليباف إن التجربة الأخيرة، وما وصفها بالحرب التي استمرت 40 يومًا على إيران، أثبتت أن الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة لا يؤدي إلى تعزيز الأمن، بل يفاقم حالة عدم الاستقرار.
وأضاف أن الولايات المتحدة تتعامل مع دول الخليج والمنطقة من منطلق الاستفادة من مواردها ونهبها، مؤكدًا أن التطورات الأخيرة أظهرت، بحسب رؤيته، أن واشنطن غير قادرة على ضمان أمن دول المنطقة، بل أصبحت عاملًا يعرقل تحقيق السلام الإقليمي.
قاليباف يستحضر العلاقات التاريخية بين بغداد وطهران
وفي مستهل اللقاء، أعرب قاليباف عن شكره للرئيس العراقي والشعب العراقي، نيابة عن الشعب الإيراني والقيادة الإيرانية، مؤكدًا أن إيران والعراق وقفا إلى جانب بعضهما البعض في أصعب الظروف.
وأشار إلى مشاركة أعداد كبيرة من العراقيين في مراسم التأبين التي أقيمت في المدن العراقية بعد وفاة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، معتبرًا أن هذه المشاركة تعكس عمق الروابط بين الشعبين.
كما استحضر قاليباف مرحلة الحرب العراقية الإيرانية، مشيرًا إلى أن البلدين عانيا في الماضي من تداعيات سياسات خارجية، واتهم الولايات المتحدة بالوقوف خلف صدام حسين في ارتكاب ما وصفها بجرائم ضد الشعبين.
وقال إن السياسات التي اتبعتها القيادة الإيرانية خلال العقود الماضية ساهمت، بحسب تعبيره، في بناء رؤية جديدة للتضامن بين الشعوب الإسلامية.
إيران والولايات المتحدة.. صراع يتجاوز الحدود
وتأتي تصريحات قاليباف في ظل استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وما يرافقه من تداعيات على منطقة الشرق الأوسط.
واعتبر رئيس البرلمان الإيراني أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحملان، بحسب موقف طهران، المسؤولية الأساسية عن الأزمات التي شهدتها المنطقة، مشيرًا إلى أن الحرب الأخيرة ألحقت أضرارًا كبيرة بإيران والعراق ودول أخرى.
كما قال إن الولايات المتحدة تعرضت لما وصفه بهزيمة عسكرية وسياسية حاسمة خلال المواجهة الأخيرة، وإنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها.
وتحمل هذه التصريحات رسالة سياسية واضحة من طهران إلى واشنطن، مفادها أن إيران لا تنظر إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة باعتباره عامل ردع أو حماية، بل تعتبره جزءًا من الصراع على النفوذ والموارد.
قاليباف يفتح ملف الاقتصاد
وبعيدًا عن الملفات الأمنية، ركز قاليباف على أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية بين إيران والعراق، مشددًا على ضرورة تنفيذ عدد من المشاريع المشتركة التي يمكن أن تعزز الترابط بين البلدين.
ومن أبرز المشاريع التي أشار إليها خط سكة حديد شلمجة–البصرة، إلى جانب أعمال تجريف وتطوير الممر المائي لشط العرب، وتوسيع الأسواق الحدودية بين البلدين.
ويرى قاليباف أن هذه المشاريع يمكن أن ترفع مستوى التبادل التجاري وتدعم حركة الأشخاص والبضائع، فضلًا عن تقليل اعتماد البلدين على أطراف خارجية.
ويأتي التركيز على هذه المشاريع في وقت تسعى فيه إيران والعراق إلى زيادة التعاون الاقتصادي، مستفيدين من الحدود المشتركة والروابط التجارية والثقافية العميقة بينهما.
بغداد: لا للحرب ولا للسلام
من جانبه، رحب الرئيس العراقي نزار العميدي بالوفد الإيراني، وأدان ما وصفه بالعدوان الأميركي الإسرائيلي الأخير، معتبرًا أنه حرب غير إنسانية وانتهاك للقانون الدولي، وأن تداعياته لم تقتصر على إيران وإنما امتدت إلى العراق والمنطقة بأكملها.
ووصف العميدي إيران والعراق بأنهما “شعب واحد في بلدين”، مؤكدًا أن الموقف الاستراتيجي العراقي يستند إلى ما وصفه بثقافة المقاومة.
كما دعا إلى إنهاء حالة “لا حرب ولا سلام” القائمة بين إيران والولايات المتحدة، معتبرًا أن استمرار هذه الحالة يفاقم التوتر ويمنع الوصول إلى استقرار إقليمي مستدام.
وشدد الرئيس العراقي على أن الأمن الحقيقي في المنطقة لا يمكن تحقيقه من خلال القوى الخارجية، وإنما عبر منظومة أمن جماعي تشارك فيها دول المنطقة نفسها.
وأكد أن العراق، باعتباره داعمًا للاستقرار الإقليمي، سيقف إلى جانب إيران.
زيارة تحمل رسائل سياسية وأمنية
وتحمل زيارة قاليباف إلى بغداد أهمية تتجاوز العلاقات البرلمانية، إذ تأتي في مرحلة تعيد فيها الأطراف الإقليمية ترتيب حساباتها بعد المواجهات الأخيرة.
ووصل قاليباف إلى بغداد على رأس وفد برلماني إيراني يضم مسؤولين من لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية ورئيس مجموعة الصداقة البرلمانية الإيرانية العراقية.
وبعد وصوله إلى مطار بغداد الدولي، توجه الوفد إلى الموقع الذي قُتل فيه قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس في غارة أميركية عام 2020، ووضع قاليباف والوفد المرافق له أكاليل تكريم في الموقع.
وتحمل هذه الزيارة الرمزية دلالة سياسية كبيرة، خصوصًا أن سليماني والمهندس كانا من أبرز الشخصيات المرتبطة بالتنسيق الأمني بين إيران والعراق والفصائل المسلحة المتحالفة معهما.
وخلال وجوده في بغداد، أجرى قاليباف كذلك محادثات منفصلة مع رئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي ورئيس الوزراء علي الزيدي، تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
بغداد بين طهران وواشنطن
وتضع التطورات العراق أمام معادلة إقليمية شديدة الحساسية. فمن جهة، تربط بغداد علاقات تاريخية وسياسية واقتصادية وثيقة بإيران، ومن جهة أخرى تستضيف علاقات أمنية وسياسية مع الولايات المتحدة.
ولهذا، فإن أي تصعيد بين طهران وواشنطن ينعكس بصورة مباشرة على العراق، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية.
وتؤكد تصريحات قاليباف والعميدي أن بغداد وطهران تريدان تعزيز التنسيق بينهما، لكن مستقبل هذا التعاون سيتأثر بدرجة كبيرة بمسار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، وبمستقبل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
كما أن التركيز على مشاريع البنية التحتية والتجارة يشير إلى رغبة البلدين في تحويل العلاقات السياسية إلى شراكة اقتصادية أكثر ترابطًا.
وفي الوقت نفسه، تحمل تصريحات قاليباف بشأن الوجود الأميركي رسالة إقليمية أوسع، مفادها أن طهران تريد إعادة تعريف مفهوم الأمن في الخليج، بحيث تكون دول المنطقة هي صاحبة الدور الرئيسي في تحديد ترتيباته الأمنية، بعيدًا عن التدخل العسكري الأميركي.
وبينما تدعو بغداد إلى إنهاء حالة التوتر المفتوح بين إيران والولايات المتحدة، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة ستحددها قدرة الأطراف على الانتقال من المواجهة العسكرية إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
وتكشف زيارة قاليباف في هذا السياق عن محاولة إيرانية لتعزيز الجبهة السياسية مع العراق، بالتوازي مع دفع التعاون الاقتصادي، والتأكيد على أن مستقبل أمن المنطقة يجب أن يكون، من وجهة نظر طهران وبغداد، قائمًا على التعاون بين دولها وليس على الوجود العسكري للقوى الأجنبية.










