حققت عائشة وهاب عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا، فوزا تاريخيا في الانتخابات الفرعية التي جرت لشغل المقعد الشاغر في الدائرة الرابعة عشرة بمجلس النواب الأمريكي، لتصبح بذلك أول أمريكية من أصل أفغاني تصل إلى عضوية الكونغرس منذ تأسيسه.
وأعلنت مؤسسة “ديسيجن ديسك إتش كيو” فوز عائشة وهاب، الديمقراطية التوجه، بعد جولة إعادة أجريت في 18 أغسطس/آب 2026، وتم تأكيد النتائج النهائية في نحو العشرين من الشهر ذاته، حيث حصلت على ما يقارب 53 بالمئة من الأصوات مقابل 47 بالمئة لمنافستها ميليسا هيرنانديز.
وجاء فو عائشة وهاب بالاستحقاق الانتخابي لملء المقعد الذي تركه شاغرا النائب السابق إريك سوالويل، الذي أعلن استقالته في أبريل/نيسان 2026 وسط اتهامات بسوء سلوك جنسي نفاها بشكل قاطع.
وبموجب هذا الفوز، ستتولى عائشة وهاب مهامها التشريعية حتى مطلع يناير/كانون الثاني 2027، على أن تخوض مواجهة جديدة مع هيرنانديز في الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، سعيا للفوز بولاية كاملة مدتها عامان في الدورة التشريعية 119 للكونغرس.
مسيرة حافلة بكسر الحواجز
لم يكن فوز عائشة وهاب الأخير سوى حلقة جديدة في مسار سياسي حافل بتحطيم الحواجز التاريخية، فقد ولدت في مدينة نيويورك عام 1987 لأبوين لاجئين أفغانيين فرا من بلادهما خلال الحرب السوفيتية الأفغانية، ونشأت في نظام الرعاية البديلة بعد مقتل والدها ووفاة والدتها، قبل أن تتبناها لاحقا عائلة أمريكية من أصل أفغاني استقرت في منطقة فريمونت وهايوارد بخليج كاليفورنيا الشرقي.
وقد أكملت مسيرتها الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه في الخدمة الاجتماعية من جامعة جنوب كاليفورنيا.
وبدأت وهاب مشوارها السياسي في عام 2018 حين انتخبت لعضوية مجلس مدينة هايوارد، لتصبح واحدة من أوائل الأمريكيين من أصل أفغاني الذين يشغلون منصبا عاما في الولايات المتحدة، إذ يشار إليها غالبا بأنها أول امرأة من هذه الخلفية تحقق هذا الإنجاز.
وفي عام 2022، خطت خطوة أوسع بفوزها بمقعد في مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا عن الدائرة العاشرة، لتصبح أول مسلمة وأول أمريكية من أصل أفغاني تدخل هذا المجلس، قبل أن تتولى لاحقا منصب مساعد زعيم الأغلبية فيه، وهو ما عكس ثقة زملائها بقدراتها القيادية.
منافسة شرسة وسط تمويل خارجي ضخم
لم يكن الطريق إلى الكونغرس سهلا أمام عائشة وهاب، إذ تفوقت في الانتخابات التمهيدية غير الحزبية التي جرت في يونيو/حزيران بفارق تجاوز 25 نقطة على منافستها هيرنانديز، إلا أنها اصطدمت بعدها بحملة تمويل خارجي مكثفة عارضت ترشيحها.
وبحسب ما نقلته صحيفة بوليتيكو، أنفقت لجان العمل السياسي “سوبر باك”، وهي جهات مخولة قانونا بإنفاق مبالغ غير محدودة لدعم أو معارضة المرشحين، ما لا يقل عن خمسة ملايين دولار في الأسابيع الأخيرة التي سبقت الاقتراع، موزعة بين دعم منافستها وشن هجمات مباشرة ضدها.
وكان النصيب الأكبر من هذا الإنفاق من نصيب لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك”، التي كشفت بوليتيكو أنها ضخت ما لا يقل عن ثلاثة ملايين دولار لتعزيز حملة هيرنانديز.
غير أن الإعلانات التي اشترتها لجنة العمل السياسي التابعة لأيباك، والمعروفة باسم “مشروع الديمقراطية المتحدة”، لم تتطرق في معظمها إلى مواقف وهاب من القضايا المتعلقة بإسرائيل أو غزة، بل ركزت على مهاجمة سجلها التصويتي المتعلق بملفات السلامة العامة خلال فترة عملها في مجلس شيوخ الولاية.
من جانبها، بنت هيرنانديز، وهي ممثلة منتخبة في مجلس إدارة هيئة النقل السريع لمنطقة خليج سان فرانسيسكو وشغلت سابقا منصب أول عمدة من أصول لاتينية لمدينة دبلن، حملتها الانتخابية على محورين رئيسيين هما توفير السكن بأسعار معقولة والأمن العام، مستشهدة بتأييد واسع من رجال الشرطة والإطفاء، إضافة إلى تأكيدها على هويتها كأم وابنة لاتينية لعائلة من المزارعين المهاجرين.
وقد حظيت بدعم جماعات المجتمع المحلي والمسؤولين المنتخبين، فضلا عن الجماعات الديمقراطية الوسطية.
مواقف سياسية تقدمية ومحطات إعلامية لافتة
تصنف وهاب ضمن موجة المرشحين التقدميين الذين خاضوا سباقات الكونغرس هذا العام، وتتقاطع أجندتها السياسية إلى حد بعيد مع مرشحين آخرين من التيار نفسه، مثل عبد السيد الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وكلير فالديز التي فازت في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمقعد في مجلس النواب عن ولاية نيويورك.
وفي محطة إعلامية لافتة قبيل الانتخابات الفرعية، ظهرت وهاب في بث مباشر عبر منصة “تويتش” مع المؤثر اليساري حسن بيكر لعرض حججها وحشد التأييد لترشحها.
وخلال هذا اللقاء، أجابت وهاب على سلسلة من الأسئلة السريعة التي باتت تعد بمثابة اختبار حاسم بالنسبة للديمقراطيين التقدميين، معلنة دعمها لبرنامج الرعاية الصحية الشاملة، ورفع الضرائب على أصحاب المليارات، وفرض حظر مؤقت على مراكز البيانات، وتقنين الإجهاض، بالإضافة إلى دعوتها إلى إلغاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية.
مواقف متباينة إزاء الملف الفلسطيني الإسرائيلي
وفيما يخص السياسة الخارجية، التي لم تحتل مساحة كبيرة في حملتي المرشحتين، عبرت وهاب عن تأييدها لإنهاء جميع المساعدات الأمريكية لإسرائيل، مع تمييزها بين المساعدات الإنسانية وتمويل الأسلحة، معربة عن دعمها لإقامة فلسطين حرة.
وخلال مناظرة سبقت الانتخابات التمهيدية، وصفت وهاب ما يجري في فلسطين بأنه “إبادة جماعية”، كما أبدت استعدادها لدعم مشروع قانون يمنع تقديم الدعم الدفاعي لإسرائيل، وهو موقف لا يزال يخالف رأي الأغلبية داخل الحزب الديمقراطي، وإن كان بدأ يكتسب زخما متزايدا في الآونة الأخيرة.
في المقابل، كانت هيرنانديز المرشحة الوحيدة التي قدمت ردا تجاوز الجملة الواحدة بشأن هذه القضية، إذ قالت إن إسرائيل، بصفتها دولة ديمقراطية، كان لها الحق في الدفاع عن نفسها وضمان الإفراج عن الرهائن بعد هجمات أكتوبر/تشرين الأول، لكنها أقرت في الوقت ذاته بأن الدمار الذي لحق بغزة قد تجاوز الحدود المقبولة، وأن ثمنه يدفعه السكان المدنيون.
ورغم هذا الموقف، تبقى وهاب أقل انتقادا لإسرائيل مقارنة بمرشحين تقدميين آخرين مثل عبد السيد، الذي واجه إنفاقا معارضا من أيباك تجاوز 30 مليون دولار .
ويعود ذلك جزئيا إلى مشاركة وهاب عام 2025، بالتعاون مع التجمع التشريعي اليهودي في كاليفورنيا، في صياغة قرار لمجلس شيوخ الولاية دعا إلى إنهاء ما وصفته بـ”الكارثة الإنسانية في غزة” والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين الذين اختطفتهم حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
اتهامات متبادلة وشكاوى انتخابية
شهدت المرحلة الأخيرة من الحملة الانتخابية تصعيدا في الاتهامات المتبادلة بين المعسكرين. فقد عقدت وهاب مؤتمرا صحفيا أعلنت خلاله عزمها التقدم بشكوى رسمية إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية، بشأن ما وصفته بتصريحات تشهيرية استخدمت ضدها على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن فريقها الانتخابي تواصل مع شركة ميتا، وسيطلب من اللجنة الفيدرالية التحقيق في ما إذا كان ينبغي الكشف عن الجهات القائمة على هذه الأنشطة، واصفة إياها بأنها شكل من أشكال “التدخل في الانتخابات”.
و في المقابل، كانت وهاب نفسها موضوع شكوى تقدم بها أحد مؤيدي هيرنانديز إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية، زعم فيها وقوع تبرع غير قانوني بقيمة 60 ألف دولار، وهي الشكوى التي طعنت فيها وهاب ورفضت مضمونها.
أهمية سياسية أوسع لتمثيل المرأة
يرى مراقبون أن استقالة سوالويل المفاجئة أتاحت فرصة نادرة لتوسيع تمثيل المرأة داخل الكونغرس الأمريكي، إذ أشارت ميريديث كونروي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا في سان برناردينو، إلى أن شاغلي المناصب عادة ما يعاد انتخابهم بنسب مرتفعة للغاية، وبالتالي فإن غياب عائق “شغل المنصب” يزيل واحدة من أكبر العقبات الهيكلية التي تواجه المرشحات النساء الراغبات في دخول المعترك السياسي.
وفي هذا السياق، لم يكن سباق الدائرة الرابعة عشرة بكاليفورنيا الاستثناء الوحيد، إذ برزت في الفترة ذاتها أسماء نسائية أخرى على الساحة السياسية الأمريكية، من بينها فوز أنجي نيكسون المفاجئ في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في فلوريدا، فضلا عن الآمال المعقودة على بيغي فلانغان في تحقيق إنجاز تاريخي للنساء الأمريكيات الأصليات خلال انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني المقبلة.
وبفوزها، تنضم عائشة وهاب إلى قائمة محدودة من الشخصيات السياسية التي تمكنت من تمثيل مجتمعات مهمشة تاريخيا في أعلى مستويات صنع القرار الأمريكي، في وقت تتزايد فيه الأصوات المطالبة بتنويع التمثيل داخل مؤسسات الحكم بالولايات المتحدة، وسط منافسة سياسية محتدمة تعكس انقسامات عميقة داخل الحزب الديمقراطي نفسه حول قضايا السياسة الخارجية والملف الفلسطيني الإسرائيلي على وجه الخصوص.










