تكشف أعمال العنف الأخيرة في منطقة غيدا أيانا بشرق ووليجا في إثيوبيا عن مشهد أمني وسياسي شديد التعقيد، يصعب اختزاله في مواجهة تقليدية بين قوات «فانو» والحكومة أو بين الأورومو والأمهرة. فالقتال الذي تصاعد خلال الأسبوع الماضي جمع أطرافا متعددة، بينها القوات الفيدرالية وقوات الأمن التابعة لإقليم أوروميا وميليشيات محلية، إلى جانب عناصر مرتبطة بحركة «فانو» والتمرد المستمر الذي يقوده جيش تحرير أورومو «OLA».
وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد، يجد المدنيون أنفسهم في قلب الصراع، وسط تقارير عن سقوط قتلى وحرق قرى وتدمير ممتلكات ونزوح سكان من مناطق ريفية.
مدنيون وسط معركة بلا ملامح واضحة
وتشير روايات من المنطقة إلى صعوبة تحديد هوية الأطراف المشاركة في القتال، إذ نقلت «أديس ستاندرد» عن إحدى الرسائل الواردة من المنطقة المتضررة قول صاحبها: «لا نعلم من يقاتل من».
وتحدثت رسائل أخرى عن سقوط ضحايا واحتراق قرى وأضرار واسعة في الممتلكات، مع تداول صور قيل إنها لجثث، لكن هذه المعلومات لم يتم التحقق منها بصورة مستقلة.
وتشير الروايات إلى أن مدنيين من الأورومو والأمهرة، الذين يعيشون في تجمعات ريفية تعرف محليا باسم «ميندر»، تأثروا بالعنف، في وقت تتضارب فيه روايات الأطراف بشأن طبيعة المواجهات وأهدافها.
فانو تتحدث عن توسع في ووليجا
ويقول أنصار حركة أمهرة فانو الوطنية «AFNM» إن المواجهات الأخيرة تمثل امتدادا لنشاط الحركة المسلحة في منطقة ووليجا، وتحدثوا عن اشتباكات مع القوات الفيدرالية وقوات الأمن التابعة لإقليم أوروميا.
وبحسب مزاعم نشرها أنصار فانو في 20 أغسطس، شنت قوات تابعة لقيادة ووليجا بيزامو أنشا سيد التابعة للحركة هجوما منسقا على قوات الدفاع الوطني الإثيوبية وقوات كوماندوز أوروميا في منطقة ميندر سوست التابعة لغيدا أيانا.
وادعى أنصار الحركة تدمير 13 مركبة والاستيلاء على 75 قطعة سلاح، إلا أن هذه المعلومات، وكذلك الروايات المتعلقة بالخسائر البشرية، لم تخضع للتحقق المستقل.
حديث عن هيكل تنظيمي جديد
وتكتسب هذه التطورات أهمية سياسية وعسكرية في ضوء تصريحات أسريس ماري، مسؤول العلاقات العامة وعضو اللجنة التنفيذية في جبهة التحرير الوطنية الأمهرية، الذي قال إن فانو في ووليجا ليست مجرد قوة قادمة من إقليم أمهرة، بل حركة ذات جذور محلية.
وأضاف أن قادة الحركة ومقاتليها من أبناء المنطقة، مدعيا وجود درجة كبيرة من الاندماج مع السكان المحليين، بل وتلقي دعم من بعض سكان الأورومو.
كما تحدث عن استمرار التعاون بين فانو وجيش تحرير أورومو في مجالات تشمل تبادل المعلومات والدعم اللوجستي والتنسيق، وهو ادعاء لم يتم التحقق منه بصورة مستقلة.
وأعلن كذلك أن تحالفا بين جماعات مسلحة إثيوبية قد يعلن قريبا، في خطوة من شأنها أن تزيد تعقيد المشهد الأمني إذا تحولت هذه التصريحات إلى ترتيبات فعلية على الأرض.
جيش تحرير أورومو ينفي وجود فانو
في المقابل، يرفض جيش تحرير أورومو توصيف الجماعة المسلحة في ووليجا باعتبارها امتدادا حقيقيا لفانو.
وقال مسؤول في جيش تحرير أورومو، تحدث إلى «أديس ستاندرد» في 21 أغسطس، إن الحديث عن وجود فانو في ووليجا «سخيف»، واعتبر الجماعة مجموعة مسلحة مدعومة من النظام.
وكان جيش تحرير أورومو قد اتهم الحكومة الفيدرالية، في بيان صدر عام 2025، بتنظيم وتجهيز ودعم جماعة تطلق على نفسها اسم «فانو ووليجا»، معتبرا أنها تهدف إلى تأجيج الصراع بين الأورومو والأمهرة وإضعاف الدعم المحلي للحركة.
وتنفي هذه الرواية ما تقوله فانو عن جذورها المحلية، ما يعكس عمق الخلاف حول هوية الجماعات المسلحة العاملة في المنطقة والجهات التي تقف خلفها.
تاريخ طويل من العنف والنزوح
ولا يمكن فصل المواجهات الحالية عن تاريخ غيدا أيانا وشرق ووليجا، حيث شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية موجات متكررة من العنف استهدفت مدنيين من مجتمعي الأورومو والأمهرة، وتسببت في عمليات نزوح واسعة.
وفي ديسمبر 2022، أفادت تقارير بمقتل عشرات الأشخاص في هجمات بمنطقة كيريمو المجاورة، بينهم قاضي محكمة محلية، فيما اتهم سكان ومسؤولون محليون جماعات مسلحة مرتبطة بفانو بالوقوف وراء الهجمات.
كما تحولت غيدا أيانا في ذلك الوقت إلى ملاذ لآلاف النازحين الفارين من مناطق القتال، وسط تقارير عن وجود عشرات الآلاف في ظروف إنسانية صعبة ونقص في الغذاء والمياه والمأوى والرعاية الطبية.
صراع متعدد الأطراف يدفع المدنيون ثمنه
ويرى محللون أن أهمية التصعيد الأخير تكمن في احتمال انتقال الصراع الأمهري إلى مناطق جديدة، أو تحوله إلى جزء من شبكة أوسع من النزاعات المسلحة المتداخلة في إثيوبيا.
وقال محلل إثيوبي متخصص في السلام والأمن، طلب عدم الكشف عن هويته، إن وجود هيكل منظم لفانو في ووليجا، إذا تأكد، قد يمنح الصراع في أمهرة بعدا جغرافيا جديدا.
وفي المقابل، إذا صحت اتهامات جيش تحرير أورومو بشأن دعم حكومي للجماعات المسلحة في المنطقة، فقد يكون القتال جزءا من محاولات مستمرة لاحتواء التمرد المسلح في غرب أوروميا.
وفي ظل تضارب الروايات وغياب التحقق المستقل من جانب كبير من المعلومات المتداولة، تبقى الحقيقة الأوضح أن غيدا أيانا أصبحت مجددا نقطة تقاطع لصراعات إثيوبيا المتعددة، فيما يواجه المدنيون مخاطر القتل والنزوح وفقدان الممتلكات وسط غياب تسوية سياسية وأمنية شاملة.










