لندن – المنشر_الاخباري
تحولت مناطق واسعة من نيبال والتبت إلى مسرح لواحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية في المنطقة، بعدما تسببت فيضانات هائلة أعقبت انهياراً جليدياً في دمار واسع النطاق، أوقع مئات القتلى وترك آلاف الأشخاص في عداد المفقودين، فيما تكافح فرق الإنقاذ للوصول إلى المناطق المعزولة وسط مخاوف من وقوع فيضانات جديدة.
واستأنفت فرق الإنقاذ النيبالية والصينية عمليات البحث الجمعة، بعد توقف مؤقت استمر نحو ثلاث ساعات بسبب مخاوف من تشكل بحيرة نتيجة تجمع مياه الفيضان واحتمال انهيار الحاجز الطبيعي الذي يحجزها، الأمر الذي كان يمكن أن يؤدي إلى اندفاع موجة جديدة من المياه نحو المناطق المنكوبة.
حصيلة ثقيلة على جانبي الحدود
وبحسب أحدث البيانات الواردة، ارتفع عدد القتلى في نيبال إلى 579 شخصاً، فيما لقي خمسة آخرون حتفهم في منطقة التبت الصينية، لتقترب الحصيلة الإجمالية من 600 قتيل.
وفي الوقت نفسه، لا تزال أعداد كبيرة من الأشخاص مفقودة. وقالت هيئة إدارة الكوارث في نيبال إن عدد المفقودين داخل البلاد وصل إلى 1924 شخصاً، بينما أفادت وسائل إعلام صينية بأن 558 شخصاً على الأقل، من بينهم 260 أجنبياً، ما زالوا في عداد المفقودين في مقاطعة قييرونغ بالتبت.
وبذلك يتجاوز عدد المفقودين على جانبي الحدود 2400 شخص، وسط مخاوف من ارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات البحث وتقييم حجم الأضرار في المناطق التي عزلتها المياه والانهيارات الأرضية.
تعبئة واسعة لفرق الإنقاذ
وتسابق فرق الإنقاذ الزمن للوصول إلى الناجين والمفقودين، بعدما تسببت السيول في قطع الطرق وتدمير الجسور وعزل عدد من القرى والمناطق الجبلية.
وأرسلت السلطات النيبالية أكثر من 14 ألفاً و800 من أفراد قوات الأمن للمشاركة في عمليات البحث والإنقاذ، مع الاستعانة بالمروحيات والطائرات المسيّرة للوصول إلى الأماكن التي يصعب الوصول إليها عبر الطرق البرية.
وتواجه فرق الإنقاذ ظروفاً بالغة الصعوبة، بسبب التضاريس الجبلية واحتمال حدوث انهيارات جديدة، فضلاً عن استمرار المخاوف من ارتفاع منسوب المياه في بعض المناطق.
الكارثة تمتد إلى الهند
ولم تتوقف آثار الفيضانات عند حدود نيبال والصين، إذ وصلت تداعياتها إلى شمال الهند.
وقالت الشرطة الهندية إنها انتشلت عشر جثث من ثلاثة مواقع في ولاية أوتار براديش، بعدما جرفتها الأنهار القادمة من الأراضي النيبالية.
وتثير أعداد الأجانب المفقودين مخاوف إضافية، خصوصاً أن المنطقة كانت تستقبل زواراً من الهند كانوا في طريقهم إلى جبل كايلاش وبحيرة مانساروفار في التبت.
وتُعد هذه المنطقة من الوجهات الدينية المهمة للزوار الهندوس، ما يفسر وجود عدد كبير من المسافرين الأجانب بين الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم بعد الكارثة.
بحيرات جليدية تهدد بموجة جديدة
ورغم استئناف عمليات البحث، لا تزال السلطات تواجه خطراً جديداً يتمثل في البحيرات التي تشكلت في أعقاب الفيضان.
وتراقب السلطات النيبالية بحيرتين ظهرتا في المنطقة المرتفعة، وسط مخاوف من أن يؤدي تراكم المياه إلى انهيار الحواجز الطبيعية المحيطة بهما، الأمر الذي قد يطلق سيولاً جديدة باتجاه المناطق الواقعة أسفلها.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية توسع إحدى البحيرتين، مع عدم وجود منفذ واضح لتصريف المياه، وهو ما يزيد القلق بشأن احتمال ارتفاع الضغط على الحاجز الطبيعي.
وحذر خبراء صينيون من استمرار حالة عدم الاستقرار، مشيرين إلى أن منطقة الهيمالايا تضم أكثر من 100 بحيرة جليدية يمكن أن تشكل مصادر محتملة للخطر في حال حدوث انهيارات أو ارتفاعات مفاجئة في مستويات المياه.
17 ألف طفل بحاجة إلى المساعدة
وبالتوازي مع جهود الإنقاذ، بدأت الأبعاد الإنسانية للكارثة بالظهور بصورة أكثر وضوحاً.
وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” من أن ما لا يقل عن 17 ألف طفل في المناطق المتضررة يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية.
وتضررت البنية الأساسية بشدة، إذ دمرت الفيضانات 18 مدرسة، بينما تعرضت 20 مدرسة أخرى لأضرار جزئية، ما يهدد بتعطيل التعليم في المناطق المنكوبة ويزيد من معاناة الأطفال والأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر رزقها.
كما يحتاج آلاف الناجين إلى الغذاء والمياه النظيفة والمأوى والمستلزمات الأساسية، في وقت تواجه فيه فرق الإغاثة صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق بسبب الأضرار التي لحقت بالطرق والجسور.
أكثر من 90 ألف متضرر
وقدّر الصليب الأحمر عدد الأشخاص الذين تأثروا بالكارثة بأكثر من 90 ألف شخص، بعدما اجتاحت المياه مناطق سكنية وودياناً وألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية.
وتسببت السيول في تدمير أو إتلاف طرق وجسور ومحطات كهرباء، ما أدى إلى عزل مناطق كاملة وتعقيد مهمة إيصال المساعدات الإنسانية.
ومع استمرار عمليات البحث، تواجه السلطات تحدياً مزدوجاً: العثور على المفقودين من جهة، ومنع كارثة جديدة من جهة أخرى، في ظل استمرار مراقبة البحيرات الجليدية ومجاري المياه في المنطقة.
أزمة إنسانية مفتوحة
ومع مرور الوقت، تتحول الكارثة من عملية إنقاذ عاجلة إلى أزمة إنسانية واسعة تحتاج إلى استجابة طويلة الأمد.
فالناجون لا يحتاجون فقط إلى عمليات البحث عن المفقودين، وإنما إلى مساكن مؤقتة وإمدادات غذائية ومياه آمنة ورعاية صحية وإعادة فتح الطرق والمدارس ومرافق الكهرباء.
كما أن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية يعني أن عملية التعافي وإعادة الإعمار قد تستغرق وقتاً طويلاً، خصوصاً في المناطق الجبلية النائية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه فرق الإنقاذ عملها وسط ظروف صعبة، تبقى الأنظار معلقة على تطورات الوضع المائي في المنطقة، خشية أن تؤدي البحيرات الجليدية المتشكلة حديثاً إلى موجة جديدة من السيول.
وتكشف الكارثة مرة أخرى حجم المخاطر التي تواجه المناطق الجبلية في الهيمالايا، حيث يمكن لانهيار جليدي أو تغير مفاجئ في حركة المياه أن يحول الوديان والأنهار خلال دقائق إلى سيول مدمرة.
وبينما تستمر عمليات البحث عن أكثر من ألفي مفقود، تواجه نيبال والتبت اختباراً إنسانياً ولوجستياً هائلاً، وسط حاجة عاجلة إلى المساعدات وإعادة تأهيل المناطق التي دمرتها المياه.










