أديس أبابا- المنشر_الاخباري
تتزايد الضغوط والاتهامات الموجهة إلى إثيوبيا بشأن طبيعة دورها في الحرب السودانية، بعدما كشفت تقارير وتحليلات دولية عن تحركات عسكرية ولوجستية داخل الأراضي الإثيوبية، تزامنت مع تصاعد نشاط قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو «حميدتي» في مناطق قريبة من الحدود.
وبينما تؤكد أديس أبابا أنها تقف على مسافة واحدة من طرفي الحرب وتدعو إلى الحل السياسي، تثير المعطيات المتداولة تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت الأراضي الإثيوبية قد تحولت إلى نقطة إسناد خلفية لقوات الدعم السريع.
استقبال حميدتي في أديس أبابا يفتح باب التساؤلات
تصاعد الجدل بالتزامن مع استقبال حميدتي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في لقاء رسمي رفيع المستوى قالت الحكومة الإثيوبية إنه تناول تطورات الحرب في السودان وسبل الوصول إلى تسوية سياسية.
لكن توقيت الزيارة، بالتزامن مع تقارير عن نشاط عسكري متزايد في غرب إثيوبيا، أعاد فتح ملف علاقة أديس أبابا بقوات الدعم السريع، ودفع مراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت إثيوبيا قد انتقلت تدريجيًا من موقع الوسيط إلى موقع أكثر انخراطًا في الصراع.
أسوسا.. المنطقة التي تتركز عليها الأنظار
تتركز الأنظار بصورة خاصة على منطقة أسوسا في إقليم بني شنقول–قمز، القريبة من الحدود السودانية، والتي أصبحت خلال الأشهر الماضية محور تقارير عن تحركات عسكرية وتوسعات لوجستية داخل منشآت تابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية.
وتشير تحليلات لصور الأقمار الصناعية إلى وصول أعداد كبيرة من المركبات والشاحنات والمعدات إلى قاعدة عسكرية في أسوسا، إلى جانب إنشاءات جديدة وحاويات ومرافق تخزين، فضلًا عن تطورات في مطار المنطقة.
ويرى محللون أن طبيعة هذا النشاط تستحق التدقيق، خصوصًا مع وقوع أسوسا بالقرب من ولاية النيل الأزرق، إحدى المناطق التي أصبحت جزءًا من الحسابات العسكرية المتغيرة في الحرب السودانية.
معسكر تدريب يثير الشبهات
الأكثر إثارة للجدل يتعلق بمعسكر تدريب قيل إنه أُقيم في منطقة مينجي داخل الإقليم نفسه.
ووفق تحقيقات منشورة، فإن المعسكر يمكنه استيعاب آلاف الأشخاص، وسط مزاعم بأنه استُخدم لتدريب مقاتلين مرتبطين بقوات الدعم السريع.
وكان تحقيق نشرته رويترز في فبراير 2026 قد تحدث، استنادًا إلى مصادر أمنية ودبلوماسية وحكومية وصور للأقمار الصناعية، عن وجود معسكر سري لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع داخل إثيوبيا، في واحدة من أبرز الروايات التي ربطت الأراضي الإثيوبية بصورة مباشرة بالحرب السودانية.
تحركات عسكرية داخل قاعدة إثيوبية
لم تتوقف التقارير عند الحديث عن معسكر التدريب، إذ تحدثت تحليلات أخرى عن نشاط عسكري داخل قاعدة أسوسا نفسها، شمل وصول مركبات ومعدات وشاحنات، إلى جانب مؤشرات على عمليات تجهيز وإمداد.
وأثارت هذه التحركات اهتمام جهات بحثية، خصوصًا مع ظهور معدات عسكرية جديدة في صور الأقمار الصناعية، وسط تحليلات ربطت بين بعض أنواع المركبات التي ظهرت في أسوسا ومعدات شوهدت لاحقًا في مناطق تابعة لقوات الدعم السريع داخل السودان.
لكن هذه المعطيات، رغم أهميتها، لا تثبت بمفردها أن المعدات الموجودة في القاعدة الإثيوبية نُقلت بالفعل إلى الدعم السريع أو استخدمت في عمليات قتالية.
هل دخلت الطائرات المسيّرة على خط الأزمة؟
جانب آخر من القضية يتعلق بمطار أسوسا والمنشآت الجوية المحيطة به.
وتحدثت تقارير عن أعمال توسعة وتطوير في المطار، إلى جانب منشآت يمكن أن تكون مرتبطة بتشغيل الطائرات المسيّرة.
ومع اعتماد طرفي الحرب السودانية بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة في العمليات العسكرية، فإن وجود بنية جوية متطورة بالقرب من الحدود يثير اهتمامًا خاصًا لدى أجهزة المراقبة والتحليل الإقليمي.
اتهامات سودانية مباشرة.. وأديس أبابا ترد
لم تقتصر الاتهامات على تقارير إعلامية وتحليلات استخباراتية، إذ وجهت السلطات السودانية اتهامات مباشرة إلى إثيوبيا والإمارات بشأن تقديم تسهيلات أو دعم لقوات الدعم السريع.
كما تحدث مسؤولون سودانيون عن استخدام مواقع داخل إثيوبيا لتنفيذ أو دعم عمليات بطائرات مسيّرة ضد مواقع سودانية.
لكن أديس أبابا رفضت هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها لا أساس لها من الصحة، مؤكدة أن موقفها يقوم على دعم وقف إطلاق النار والحوار السياسي بين الأطراف السودانية.
كما نفت الإمارات بدورها تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، ورفضت الاتهامات المتكررة بشأن تورطها في الحرب.
الإمارات حاضرة في خلفية المشهد
يزداد الملف تعقيدًا مع تكرار اسم الإمارات في التقارير المتعلقة بمسارات الإمداد المحتملة لقوات الدعم السريع.
وتشير تقارير وتحليلات إلى وجود علاقات اقتصادية وأمنية وعسكرية وثيقة بين أبوظبي وأديس أبابا، الأمر الذي جعل أي نشاط إماراتي أو إثيوبي مرتبط بالسودان محل اهتمام إقليمي واسع.
وتتهم الحكومة السودانية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي هذه الاتهامات بشكل قاطع.
لماذا تمثل أسوسا أهمية استراتيجية؟
موقع أسوسا يمنحها أهمية تتجاوز حدود إثيوبيا.
فالمنطقة قريبة من ولاية النيل الأزرق، كما أنها تقع في إقليم بني شنقول–قمز، الذي يحتضن سد النهضة الإثيوبي، ما يجعل أي تصعيد عسكري على الحدود السودانية–الإثيوبية ذا حساسية كبيرة بالنسبة إلى أمن المنطقة.
وفي حال ثبت استخدام المنطقة لتدريب أو تجهيز قوات مرتبطة بالدعم السريع، فقد تتحول الحدود الإثيوبية السودانية إلى مسار أساسي في الصراع، بدل أن تكون مجرد منطقة حدودية تتأثر بتداعيات الحرب.
هل تتخلى إثيوبيا عن سياسة الحياد؟
السؤال الأصعب يتعلق بالموقف السياسي لأديس أبابا.
فإثيوبيا تستقبل شخصيات من أطراف مختلفة في الأزمة السودانية، وتؤكد رسميًا دعمها للحوار والسلام، كما سبق أن عقدت اتصالات مع قيادة الجيش السوداني إلى جانب تواصلها مع حميدتي.
لكن استقبال قائد الدعم السريع بالتزامن مع استمرار التقارير عن تحركات عسكرية في غرب إثيوبيا جعل ادعاء الحياد أكثر صعوبة بالنسبة إلى خصوم أديس أبابا.
ومع ذلك، فإن وجود هذه المؤشرات لا يعني تلقائيًا أن الحكومة الإثيوبية قررت رسميًا دعم الدعم السريع، خصوصًا أن جزءًا كبيرًا من المعلومات المتداولة يعتمد على مصادر أمنية وتحليلات وصور أقمار صناعية، بينما تنفي الحكومات المعنية الاتهامات.
حرب السودان تتحول إلى صراع إقليمي؟
الحرب السودانية لم تعد محصورة في حدود الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع.
فمع استمرار تدفق السلاح والمعدات وظهور شبكات دعم إقليمية محتملة، أصبحت الحرب مرتبطة بصورة متزايدة بمصالح دول الجوار والقوى الإقليمية.
وأي انخراط إثيوبي مباشر أو غير مباشر قد يؤدي إلى تغيير حسابات الأطراف الأخرى، خصوصًا مصر وإريتريا وجنوب السودان، كما يمكن أن يضيف توترًا جديدًا إلى ملفات الحدود والمياه والأمن الإقليمي.
ماذا يعني تحول إثيوبيا إلى «عمق خلفي»؟
إذا ثبت استخدام الأراضي الإثيوبية في تدريب أو تسليح أو نقل مقاتلين تابعين للدعم السريع، فإن الأمر سيكون تحولًا كبيرًا في طبيعة الحرب.
فبدل أن تظل إثيوبيا دولة مجاورة تسعى إلى الوساطة، ستصبح أراضيها جزءًا من البنية اللوجستية للصراع، وهو ما قد يجعلها هدفًا محتملًا للرد العسكري ويهدد بفتح جبهة جديدة في المنطقة.
أما إذا ثبت أن التحركات العسكرية في أسوسا مرتبطة فقط بعمليات دفاعية وأمنية إثيوبية، فقد تتبين لاحقًا محدودية الاتهامات المتداولة.
السؤال الأخطر أمام أديس أبابا
في ظل تضارب الروايات، تبقى الصورة النهائية غير محسومة، لكن المؤكد أن أسوسا أصبحت تحت المجهر، وأن كل تحرك عسكري أو لوجستي في غرب إثيوبيا بات يُقرأ في سياق الحرب السودانية.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تحاول أديس أبابا حماية حدودها من تداعيات الحرب، أم أنها تنخرط تدريجيًا في الصراع عبر ترتيبات عسكرية ولوجستية قد تجعل الأراضي الإثيوبية قاعدة خلفية لقوات الدعم السريع؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل العلاقات بين إثيوبيا والسودان خلال المرحلة المقبلة، كما قد تكشف ما إذا كانت الحرب السودانية تتجه إلى مرحلة جديدة تتحول فيها الحدود إلى جبهة إقليمية مفتوحة.










