فتح مشروع قانون جديد في مجلس النواب الأمريكي الباب أمام عودة واشنطن إلى ملف الساحل، ولكن من بوابة مختلفة ترتكز على ملاحقة اقتصاد الجماعات الإرهابية، وتقييم النفوذ الروسي الذي تمدد بعد انسحاب القوى الغربية.
وقدّم النائب الديمقراطي جيمي بانيتا، بمشاركة الجمهوري جو ويلسون، مشروع “شراكة مالي الأمنية ومكافحة الإرهاب” تحت الرقم (H.R.10195)، حيث أُحيل المشروع رسمياً في 31 أغسطس إلى لجنة الشؤون الخارجية وفق السجل الرسمي لمجلس النواب.
وفي حال إقراره نهائياً، فسوف يلزم وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد استراتيجية شاملة لمواجهة توسع تنظيم “القاعدة” والجماعات التابعة له في مالي، وفي مقدمتها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، مع دراسة انعكاسات هذا التمدد على دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو.
تفكيك البنية المالية وشبكات الدعم
لا يكتفي المشروع التشريعي برصد العمليات العسكرية والهجمات أو إحصاء عدد المقاتلين، بل يطلب بوضوح تفكيك البنية التحتية والاقتصادية التي تسمح للتنظيم بالتحول إلى سلطة موازية في المنطقة، وذلك عبر عدة مسارات رئيسية تحديد مناطق انتشار التنظيم، وقدراته الميدانية، وروابطه العابرة للحدود.
وتتبع العائدات المالية الناجمة عن تعدين الذهب، وعمليات التهريب، وتحصيل الإتاوات و”ضرائب الحماية”، وكشف الهيئات والوسطاء وشبكات نقل الأموال والموارد الاقتصادية.
ودراسة كيفية استغلال الفقر، وحالات النزوح، والتوترات العرقية، وضعف الحكم المحلي في عمليات التجنيد، ومراجعة مدى فاعلية العقوبات والأدوات الدبلوماسية الأميركية المستخدمة حالياً.
النفوذ الروسي ومعادلة الأمن الإقليمي
إلى جانب الجانب المالي، يضع المشروع الوجود والنفوذ الروسي داخل المعادلة الاستراتيجية نفسها؛ إذ يطالب بإجراء تقييم دقيق لتأثير هذا الوجود على مستوى الحكم والشفافية والاستقرار، وقدرة الفاعلين الجدد الفعلية على مواجهة الجماعات الإرهابية، فضلاً عن قياس أثره المباشر على فرص استعادة واشنطن لشراكاتها الأمنية السابقة بالمنطقة.
وفي هذا السياق، قال النائب جيمي بانيتا إن دولة مالي لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الأزمة الأوسع في منطقة الساحل، مشدداً على ضرورة فهم الآليات التي تتبعها الجماعات المتطرفة لتوسيع نفوذها ونقل مواردها عبر الحدود واستغلال حالة عدم الاستقرار.
ومن جانبه، اعتبر النائب جو ويلسون أن تقييم مصادر التمويل والتهديدات الإقليمية، إلى جانب صياغة استراتيجية دبلوماسية منسقة، سيعززان قدرة الولايات المتحدة الأميركية على تقديم الدعم الفاعل لشركائها في المنطقة، بحسب البيان الرسمي الصادر عن مكتب بانيتا.
المسار التشريعي والتحديات المستقبلية
تكمن أهمية المشروع المطروح ليس في الإعلان عن عودة عسكرية أميركية مباشرة، فهو لا يتضمن ذلك، بل في نجاحه في جمع ثلاثة ملفات رئيسية كانت الإدارة الأمريكية تتعامل معها بصورة متفرقة، وهي: تمدد تنظيم “القاعدة”، واقتصاد الذهب والتهريب غير المرخص، والنفوذ الروسي المتصاعد.
ومع ذلك، لا يزال مشروع القانون (H.R.10195) في بدايته المبكرة ضمن المسار التشريعي، فلم تقره لجنة الشؤون الخارجية بعد، ولم يعرض على مجلسي الكونغرس، كما أنه لم يتحول بعد إلى قانون نافذ أو سياسة تنفيذية معتمدة. ورغم ذلك، فإنه يمثل مؤشراً سياسياً مبكراً على أن تراجع النفوذ الغربي في منطقة الساحل الأفريقي، إلى جانب الاخفاقات الميدانية في وقف تمدد التنظيمات المتطرفة، بدآ يدفعان المشرعين في واشنطن نحو إعادة فتح ملف الساحل برمته.










