جنيف – المنشر_الاخباري
تصاعدت الدعوات الدولية لوقف التدخلات الخارجية التي تغذي الحرب في السودان، بعدما كشف تحقيق مدعوم من الأمم المتحدة للمرة الأولى عن أجزاء من شبكة عابرة للحدود يُعتقد أنها توفر التمويل والسلاح والدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع في النزاع المستمر منذ عام 2023.
وخلال جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، دانت دول عدة ما وصفته بالدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وسط تقرير مثير للقلق أشار إلى تورط شركات وكيانات وميليشيات في الإمارات ودول أخرى في شبكة معقدة لتمويل وتسليح القوات المتصارعة.
وقال محمد شاند عثمان، رئيس بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان، إن البعثة وجدت “أسبابًا معقولة للاعتقاد” بأن شبكة عابرة للحدود ساهمت في تسهيل العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع، وربطت بين أفراد وكيانات في الإمارات وتشاد وجنوب شرق ليبيا وبونتلاند في الصومال، عبر طرق جوية وبرية وبحرية.
اتهامات للدعم الخارجي
ومنذ اندلاع القتال في الخرطوم في أبريل/نيسان 2023، تراكمت الأدلة على أن الحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا خالصًا، إذ وثقت منظمات حقوقية ومسارات تحقيق مختلفة تدفق أسلحة وأموال وإمدادات إلى كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية.
لكن التقرير الأممي الأخير يمثل تطورًا لافتًا، لأنه لا يكتفي بالإشارة إلى وجود دعم خارجي، بل يحدد للمرة الأولى أجزاء من الشبكات والأطراف التي يُعتقد أنها تقف وراءه.
ودانت دول من الاتحاد الأوروبي والمجموعة الأفريقية وقطر والأردن وغيرها التدخل الخارجي في الحرب، إلا أن معظم المواقف بقيت عامة ولم تسمِّ بصورة مباشرة الدول أو الجهات المتهمة.
وقال نيكولاس أغوستيني، ممثل منظمة DefendDefenders في جنيف، إن كثيرًا من الدول تحدثت عن “التدخل الخارجي” أو “الجهات الخارجية” التي تؤجج الصراع، لكنها تجنبت تسمية هذه الجهات صراحة.
وأضاف أن التطورات الحالية قد تفتح المجال أمام الدول لزيادة الضغط على الأطراف الخارجية التي تغذي الحرب، بما فيها الإمارات.
السودان يتهم الإمارات
وكان الوفد السوداني، الموالي للقوات المسلحة السودانية، الأكثر صراحة خلال النقاش، إذ اتهم الإمارات بـ”رعاية” خصوم الجيش.
وتنفي أبوظبي هذه الاتهامات، مؤكدة أن إطارها القانوني الوطني يتيح محاسبة المسؤولين عن أي أعمال غير قانونية، بمن فيهم المتعاقدون الأجانب.
لكن مونا رشماوي، عضو بعثة تقصي الحقائق، قالت إن التحقيقات التي أجرتها الإمارات بشأن بعض الحالات لا تبدو كافية، داعية إلى إجراء تحقيقات أعمق وأكثر شمولًا.
مرتزقة أجانب في صفوف الدعم السريع
ومن أبرز ما كشفه التقرير الأممي وجود مقاتلين أجانب ومتعاقدين عسكريين يعملون إلى جانب قوات الدعم السريع.
وأشار التقرير إلى أن متعاقدين عسكريين من كولومبيا شوهدوا وهم يشغلون أنظمة مدفعية ومنصات طائرات مسيّرة لصالح الدعم السريع خلال حصار مدينة الفاشر في دارفور.
وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد تحدثت في وقت سابق عن تدريب هؤلاء المتعاقدين في الإمارات قبل نشرهم في السودان.
كما حدد التحقيق مقاتلين من تشاد وإثيوبيا وجنوب السودان ضمن صفوف الدعم السريع في الخطوط الأمامية.
وكانت كولومبيا الدولة الوحيدة التي ردت رسميًا على هذه النتائج، حيث وصف نائب سفيرها وجود مواطنين كولومبيين مشاركين في القتال بأنه أمر “غير مقبول”، مؤكدًا أن بوغوتا تعمل على معالجة القضية.
شبكة إمداد تمتد عبر عدة دول
ولا يقتصر الدعم الخارجي، وفق التقرير، على المقاتلين الأجانب، إذ كشف التحقيق عن شبكة لوجستية معقدة لنقل الأسلحة والأفراد والمعدات العسكرية عبر تشاد وليبيا والصومال، مع وجود صلات بكيانات مقرها الإمارات.
وتثير هذه الشبكة مخاوف من أن الحرب السودانية باتت مرتبطة بمنظومة إمداد إقليمية قادرة على إبقاء القتال مستمرًا رغم الضغوط الدولية لوقفه.
الطائرات المسيّرة تغيّر طبيعة الحرب
وحذر التقرير الأممي كذلك من تحول خطير في طبيعة العمليات العسكرية، مع الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة بعيدة المدى والتقنيات العسكرية المتقدمة.
وقالت رشماوي إن الطائرات المسيّرة “تغير طبيعة الحرب”، بسبب قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى وبتكلفة أقل، الأمر الذي أدى إلى توسع رقعة القتال ووصوله إلى مناطق جديدة، بينها النيل الأزرق وكردفان.
وذكر التقرير مثالًا دامياً على ذلك، إذ أشار إلى ضربتين بطائرات مسيّرة في ديسمبر/كانون الأول 2025 استهدفتا روضة أطفال ومستشفى نُقل إليه المصابون في كادوقلي بولاية جنوب كردفان، ما أدى إلى مقتل نحو 114 شخصًا، بينهم 60 طفلًا.
وفي 20 مارس/آذار 2026، نفذ الجيش السوداني عدة ضربات بطائرات مسيّرة على مستشفى تعليمي في مدينة الضعين، عاصمة شرق دارفور الخاضعة لسيطرة المتمردين، ما أسفر عن مقتل 70 شخصًا على الأقل وخروج المستشفى من الخدمة.
دعوات لتوسيع حظر الأسلحة
وأدت التطورات العسكرية إلى تصاعد المطالب بتمديد حظر الأسلحة المفروض منذ سنوات على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان.
وانضمت عدة دول أوروبية، إلى جانب الاتحاد الأوروبي وسويسرا وليختنشتاين، إلى الدعوات المطالبة بتوسيع الحظر، فيما أعلنت الإمارات أيضًا تأييدها له.
ومن المقرر أن ينتهي العمل بحظر الأسلحة المفروض على دارفور في 12 سبتمبر/أيلول.
وتضغط واشنطن داخل مجلس الأمن من أجل فرض حظر شامل على الأسلحة، مع تركيز خاص على الطائرات المسيّرة، لكن المقترح يواجه معارضة من روسيا والصين، العضوين الدائمين في مجلس الأمن اللذين يملكان حق النقض.
وقال المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط مسعد بولس إن هناك “على الأرجح 12 دولة على الأقل” تشارك بطريقة أو بأخرى في تقديم دعم عسكري لأطراف الحرب السودانية، مؤكدًا أن ذلك “يجب أن يتوقف”.
خلاف حول تسليح الجيش السوداني
لكن توسيع حظر الأسلحة يثير خلافًا بشأن تأثيره المحتمل على طرفي النزاع.
ويرى بعض المراقبين أن الحظر قد يضر بالقوات المسلحة السودانية أكثر من قوات الدعم السريع، خصوصًا أن الجيش عزز قدراته العسكرية باستخدام طائرات مسيّرة ومعدات حصل عليها، وفق تقارير، من مصر والسعودية وإيران وروسيا وتركيا.
وخلال جلسة مجلس حقوق الإنسان، اعترضت تركيا ومصر على وضع الجيش السوداني والقوات المسلحة النظامية على قدم المساواة مع قوات الدعم السريع.
وقالت تركيا إن شراء القوات المسلحة السودانية لمعدات دفاعية بصورة قانونية لا يمكن وضعه في المستوى نفسه مع الإمدادات غير المشروعة من الأسلحة التي تحصل عليها قوات الدعم السريع.
التحقيق الأممي يواجه مستقبله
ورغم أهمية النتائج التي توصلت إليها بعثة تقصي الحقائق، فإن مستقبلها نفسه بات موضع نقاش.
ومن المقرر أن تنتهي ولايتها بعد جلسة مجلس حقوق الإنسان الحالية، فيما تسعى الدول الغربية الداعمة لها إلى تمديد التفويض لمدة عام إضافي.
ورغم اعتقاد مؤيدي البعثة بأن فرص تمديد ولايتها جيدة، فإن الحكومة السودانية تكثف تحركاتها الدبلوماسية، وتسعى إلى إقناع الصين ودول أخرى بدعم إنهاء عملها.
ويقول أعضاء البعثة إن استمرار التحقيق ضروري للكشف عن شبكات الدعم الخارجية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
حرب تتجاوز حدود السودان
وتشير نتائج التحقيق الأممي إلى أن الحرب السودانية أصبحت جزءًا من شبكة إقليمية معقدة تتداخل فيها المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية.
فمع استمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين والمعدات عبر الحدود، وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة، تزداد المخاوف من تحول الصراع إلى حرب أكثر اتساعًا وتدميرًا.
وبينما تتحمل الأطراف السودانية المتحاربة المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات المرتكبة على الأرض، تؤكد بعثة تقصي الحقائق أن استمرار تدفق الدعم الخارجي يطرح سؤالًا أساسيًا: هل كان بإمكان الحرب أن تستمر بهذا الحجم لولا شبكات التمويل والتسليح العابرة للحدود؟
ومع اقتراب انتهاء تفويض البعثة الأممية، تتجه الأنظار إلى مجلس حقوق الإنسان ومجلس الأمن لمعرفة ما إذا كان المجتمع الدولي سيتمكن من الانتقال من إدانة التدخلات الخارجية إلى فرض ضغوط عملية لوقف تدفق الأسلحة والمقاتلين إلى أطراف الحرب السودانية.










