الرياض- المنشر_الاخباري
تسعى السعودية إلى الحصول على دعم إضافي في مجال الدفاع الجوي من عدد من القوى الإقليمية والدولية، في ظل استمرار الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تشنها جماعة الحوثيين في اليمن، وتراجع مخزونات صواريخ الاعتراض لدى المملكة، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين.
وبحسب المسؤولين، طلبت الرياض من فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر نشر قدرات للدفاع الجوي في المنطقة، بهدف المساعدة في التصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلقها جماعة الحوثيين وجماعات أخرى مدعومة من إيران. ولم تعلن الحكومة السعودية رسميًا تفاصيل هذه الطلبات، كما لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت أي من الدول المعنية قد التزمت بتقديم دعم عسكري مباشر للمملكة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطًا متزايدة على منظومتها الدفاعية، مع الحاجة إلى حماية منشآت حيوية تشمل القواعد العسكرية والمنشآت الحكومية والبنية التحتية النفطية، بينما تتواصل الهجمات التي تستهدف أراضي المملكة ومصالحها الاقتصادية.
نقص صواريخ الاعتراض يضغط على الرياض
ووفق المسؤولين الذين تحدثوا إلى أسوشيتد برس، فإن التحرك السعودي للحصول على دعم خارجي جاء في ظل تراجع مخزونات صواريخ الاعتراض، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة، الحليف الأمني الرئيسي للرياض وموردًا أساسيًا لأنظمتها الدفاعية، ضغوطًا على مخزوناتها من صواريخ الاعتراض أيضًا.
وقال أحد المسؤولين إن السعودية باتت أمام مهمة صعبة تتمثل في تأمين عدد كبير من الأهداف في وقت واحد، بما في ذلك المنشآت العسكرية والحكومية والمنشآت النفطية، وهو ما يزيد الحاجة إلى تعزيز قدرات الدفاع الجوي.
وتكتسب هذه الاحتياجات أهمية خاصة بالنسبة للسعودية بسبب اعتماد اقتصادها بدرجة كبيرة على البنية التحتية للطاقة، إذ يمكن لأي هجمات ناجحة على منشآت النفط أو خطوط نقل الطاقة أن تؤثر في الإنتاج والتصدير والأسواق العالمية.
كما تأتي التحركات السعودية في ظل اضطرابات أوسع في المنطقة، شملت تهديدات للملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، ما يربط أمن المملكة بأمن خطوط التجارة والطاقة الإقليمية والدولية.
اتفاق مكة أمام أول اختبار
وتثير هذه التطورات تساؤلات حول قدرة اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في أغسطس الماضي على توفير استجابة عسكرية سريعة في حال تعرض أحد أعضائه لهجوم.
وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بينها. وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد قال إن آلية الاتفاق تشبه من الناحية الفنية مبدأ الدفاع الجماعي الوارد في المادة الخامسة لحلف الناتو، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الدولة التي تتعرض لهجوم يجب أن تطلب المساعدة وتحدد نوع الدعم الذي تحتاج إليه.
غير أن الاتفاق لم يُفعّل حتى الآن لمواجهة التصعيد الحوثي. وقال مسؤولون أتراك وباكستانيون، وفق تقرير نقلته أسوشيتد برس، إن الرياض لم تطلب رسميًا من أنقرة أو إسلام آباد تقديم المساعدة بموجب اتفاق مكة في مواجهة الهجمات الأخيرة. وأضاف مسؤول تركي أن العمل على تحويل الاتفاق إلى إطار مؤسسي لا يزال مستمرًا قبل أن يصبح قابلًا للتشغيل بصورة كاملة.
وكانت باكستان قد أكدت في وقت سابق التزامها باتفاق مكة، لكنها أوضحت أن أي عمل عسكري لم يكن مطروحًا للنقاش في ذلك الوقت.
لماذا تلجأ السعودية إلى شركاء خارج الاتفاق؟
يعكس طلب الدعم من فرنسا وبريطانيا ومصر، إلى جانب باكستان، رغبة الرياض في توسيع شبكة الدعم الدفاعي في مواجهة تهديدات متعددة، بدل الاعتماد على ترتيبات ثنائية أو تحالف واحد.
وتشير تقارير إلى أن السعودية تسعى في الوقت نفسه إلى حشد حلفائها من أجل استجابة جماعية للتصعيد، فيما تقود مصر وسلطنة عمان جهودًا دبلوماسية لخفض التوتر.
وفي هذا السياق، قالت أسوشيتد برس إن مسؤولين مطلعين أفادوا بأن سلطنة عمان استضافت خلال عطلة نهاية الأسبوع اجتماعًا بين ممثلين عن الولايات المتحدة والحوثيين لبحث التوترات الإقليمية، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن المحادثات.
كما أكدت بريطانيا وجود شراكة دفاعية وثيقة مع السعودية، لكنها لم تكشف ما إذا كانت الرياض طلبت رسميًا مساعدة عسكرية من لندن أو ما إذا كانت قوات بريطانية موجودة داخل المملكة في إطار الأزمة الحالية.
أما مصر، التي طلبت الرياض مساعدتها بحسب المسؤولين الإقليميين، فليست عضوًا في اتفاق مكة حتى الآن، رغم علاقاتها الدفاعية والأمنية الوثيقة مع السعودية وتركيا وباكستان. وكانت القاهرة قد قالت إنها تدرس إمكانية الانضمام إلى الاتفاق، لكنها تتعامل بحذر مع مسألة الدخول في تحالفات عسكرية جديدة.
الحوثيون يضغطون على السعودية
وتأتي التحركات السعودية بعد تصعيد ميداني للحوثيين في اليمن، شمل تقدمًا على الساحل الغربي وسيطرة الجماعة على مواقع وجزر استراتيجية بالقرب من باب المندب، وفق تقارير حديثة.
وقالت رويترز إن التقدم الحوثي ألحق خسائر بالقوات المدعومة من السعودية وكشف عن نقاط ضعف في المنظومة العسكرية التي تعتمد عليها الرياض في اليمن، كما دفع المملكة إلى البحث عن دعم إضافي من شركائها الإقليميين والدوليين.
وفي تطور منفصل، أعلنت السعودية أنها اعترضت طائرة مسيّرة قرب مكة، وقالت إن الدفاعات الجوية دمرتها قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة. في المقابل، نفت جماعة الحوثيين استهداف مكة، ما يجعل رواية الطرفين بشأن الحادث محل خلاف.
اختبار حقيقي لاتفاق مكة
ويضع التصعيد الحالي اتفاق مكة أمام أول اختبار عملي منذ توقيعه، لكنه لا يعني بالضرورة أن الاتفاق قد فشل، خصوصًا في ظل عدم تقديم السعودية طلبًا رسميًا لتفعيله ضد الحوثيين حتى الآن.
وتشير التطورات إلى أن الاتفاق لا يزال في مرحلة بناء آليات العمل المؤسسي والتنسيق العسكري، بينما تواجه الرياض أزمة آنية تتطلب تعزيز قدرات الدفاع الجوي بصورة عاجلة.
وبينما تبحث السعودية عن صواريخ اعتراض وقدرات دفاع جوي من فرنسا وبريطانيا ومصر وباكستان، تستمر المشاورات حول كيفية التعامل مع الحوثيين واحتواء التصعيد في اليمن والبحر الأحمر.
ويكشف هذا الوضع عن تعقيد الترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة؛ فالسعودية تسعى من جهة إلى بناء شبكة دفاع إقليمية أكثر استقلالًا، ومن جهة أخرى لا تزال تعتمد على علاقات أمنية واسعة مع قوى غربية وإقليمية لتلبية الاحتياجات العسكرية العاجلة.
وفي الوقت الذي لم تعلن فيه أي من الدول التي طلبت منها الرياض المساعدة التزامًا عسكريًا مباشرًا حتى الآن، يبقى مستقبل اتفاق مكة مرتبطًا بمدى قدرته على الانتقال من إطار سياسي ودفاعي جديد إلى آلية عملية قادرة على الاستجابة للأزمات عند وقوعها.










