أديس أبابا- المنشر_الاخباري
عاد شبح الحرب إلى شمال إثيوبيا مع تصاعد المواجهات المسلحة في إقليم تيجراي والمناطق المحيطة به، بالتزامن مع انقطاع واسع للاتصالات والإنترنت، في تطور أعاد إلى الأذهان ما حدث مع اندلاع الحرب السابقة في الإقليم عام 2020، عندما أدى قطع الاتصالات إلى عزل المنطقة عن العالم الخارجي وصعّب التحقق من التطورات الميدانية.
وأفادت مؤسسة «نت بلوكس» المتخصصة في مراقبة شبكات الإنترنت، الجمعة، بأنها رصدت اضطراباً في الاتصال بالإنترنت في شمال إثيوبيا، بالتزامن مع اندلاع قتال بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات مرتبطة بإقليم تيجراي وحلفائها. وأكدت المؤسسة أن البيانات التي جمعتها تشير إلى تراجع حاد في إمكانية الوصول إلى الشبكة في المناطق المتأثرة بالصراع.
انقطاع الاتصالات يثير المخاوف
يأتي انقطاع الاتصالات في وقت تشهد فيه مناطق شمال إثيوبيا تصعيداً عسكرياً جديداً، ما يزيد صعوبة الحصول على معلومات مستقلة حول حجم المواجهات والخسائر والتحركات العسكرية.
وتكتسب الاتصالات أهمية خاصة في تيجراي، بعدما ارتبطت الحرب التي اندلعت في نوفمبر 2020 بفترات طويلة من انقطاع الإنترنت والهاتف، الأمر الذي حدّ من وصول الأخبار والمعلومات من داخل الإقليم إلى الخارج.
وكانت «نت بلوكس» قد وثقت بالفعل انقطاعاً إقليمياً للإنترنت في تيجراي عند اندلاع الحرب السابقة في نوفمبر 2020، مشيرة آنذاك إلى وجود انقطاع واسع في خدمات البيانات والاتصالات الهاتفية في شمال البلاد.
وبالتالي، فإن تكرار مشهد انقطاع الاتصالات بالتزامن مع تجدد القتال يثير مخاوف بشأن صعوبة متابعة الوضع الإنساني والعسكري على الأرض.
مواجهات على أكثر من جبهة
وتزامن التصعيد الجديد مع معارك في مناطق متاخمة لتيجراي، بينها منطقة عفار، حيث أفادت تقارير باندلاع اشتباكات عنيفة قرب بلدة أَبَالا على الحدود بين عفار وتيجراي. وتشير التقارير إلى مشاركة قوات حكومية إثيوبية ومقاتلين مرتبطين بجبهة تحرير شعب تيجراي في المواجهات.
كما تحدثت تقارير أخرى عن معارك في شمال وولو، فيما أعلنت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية أرقاماً مرتفعة بشأن خسائر مقاتلين من الجانب المقابل، وهي أرقام لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل.
ويأتي ذلك بعد أيام من إعلان عدد من الجماعات المسلحة الإثيوبية تشكيل تحالف جديد يضم قوى من تيجراي وأمهرا وأوروميا ومناطق أخرى، في خطوة تعكس اتساع نطاق التوترات الأمنية والسياسية داخل البلاد.
هل تعود إثيوبيا إلى سيناريو الحرب السابقة؟
اندلاع القتال مجدداً يثير تساؤلات حول مصير اتفاق السلام الذي أنهى الحرب السابقة في تيجراي عام 2022.
فقد أنهى اتفاق بريتوريا الموقّع في نوفمبر 2022 حرباً استمرت عامين، إلا أن ملفات سياسية وأمنية عدة بقيت دون تسوية كاملة، فيما استمرت الخلافات المتعلقة بالحدود والنفوذ وترتيبات الحكم والأمن.
وفي الأشهر الأخيرة تصاعدت التوترات مجدداً، وسط تحذيرات من إمكانية تحول الاشتباكات المتفرقة إلى صراع أوسع.
ويشير مركز «مجلس العلاقات الخارجية» إلى أن الصراع في شمال إثيوبيا عاد إلى الواجهة مع تجدد التوتر بين جبهة تحرير شعب تيجراي والإدارة المؤقتة التي تدعمها الحكومة الفيدرالية، في وقت تواجه فيه الحكومة الإثيوبية أيضاً اضطرابات مسلحة في مناطق أخرى من البلاد.
الاتصالات.. أول ضحية في مناطق القتال
يمثل انقطاع الإنترنت والاتصالات أحد أكثر المؤشرات إثارة للقلق بالنسبة للمدنيين ووسائل الإعلام والمنظمات الإنسانية.
وخلال حرب تيجراي السابقة، أدى استمرار انقطاع خدمات الإنترنت والاتصالات لفترات طويلة إلى صعوبة التواصل مع السكان، كما أعاق وصول المساعدات الإنسانية ونقل المعلومات بشأن التطورات الميدانية.
وفي سبتمبر 2022، وصفت تقارير استمرار انقطاع الإنترنت في تيجراي بأنه واحد من أطول انقطاعات الإنترنت المرتبطة بصراع في العالم، مشيرة إلى تأثيره على السكان والأنشطة الاقتصادية وعمليات الإغاثة.
ولهذا، فإن انقطاع الاتصالات الحالي لا يُنظر إليه باعتباره مشكلة تقنية عابرة، خصوصاً مع حدوثه بالتزامن مع معارك واسعة النطاق.
مخاوف على المدنيين
ومع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد المخاوف بشأن سلامة المدنيين، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط القتال.
وحذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من المخاطر التي يواجهها المدنيون مع انتشار الأعمال القتالية في تيجراي وأمهرا وعفار، داعية جميع الأطراف إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
كما أن انقطاع الاتصالات يجعل من الصعب تقييم الاحتياجات الإنسانية بصورة دقيقة، أو التأكد سريعاً من التقارير المتضاربة بشأن الضحايا والنزوح والسيطرة على المناطق.
أزمة تتجاوز تيجراي
ولا يأتي التصعيد في تيجراي بمعزل عن المشهد الإثيوبي الأوسع، إذ تواجه الحكومة المركزية تحديات أمنية وسياسية متعددة، بالتزامن مع استمرار التوترات بين الحكومة وبعض القوى الإقليمية والمسلحة.
ويزيد تشكيل تحالفات جديدة بين جماعات كانت في السابق على طرفي صراعات مختلفة من تعقيد المشهد، خصوصاً مع وجود خلافات بشأن الأراضي والنفوذ السياسي وترتيبات الحكم.
وفي ظل هذا الواقع، فإن السؤال المطروح لا يتعلق فقط بعودة القتال إلى تيجراي، وإنما بما إذا كانت المواجهات الحالية ستبقى محصورة في مناطق محددة، أم ستتحول إلى أزمة أمنية أوسع تهدد اتفاق السلام الذي أوقف الحرب السابقة.
وبينما تتواصل المعارك، يبقى انقطاع الاتصالات أحد أبرز التطورات التي تزيد الغموض حول ما يجري على الأرض، في مشهد يعيد إلى الذاكرة الأيام الأولى لحرب 2020، حين تحولت تيجراي إلى منطقة شبه معزولة عن العالم وسط قتال واسع النطاق.
ومع استمرار التصعيد، ستكون استعادة الاتصالات والوصول إلى معلومات مستقلة من داخل مناطق القتال عاملاً أساسياً لتقييم حجم الأزمة الإنسانية والعسكرية، وتحديد ما إذا كانت إثيوبيا تواجه جولة جديدة من الصراع أم موجة مؤقتة من العنف يمكن احتواؤها.









