أفادت تقارير بأن غارات جوية استهدفت يوم السبت 10 أكتوبر 2026 مواقع للتعدين الأهلي عن الذهب في منطقة شمال الوادي قرب الحدود المصرية السودانية، وتحديدا في جبل العقيدات، حيث يعمل آلاف المعدنين المعروفين محليا باسم الدهابة.
وتتباين الحصيلة تباينا كبيرا بحسب المصدر؛ إذ أعلنت منظمة محامو الطوارئ مقتل 72 معدنا على الأقل، وتشير شهادات ناجين أن القتلى يتجاوزون 200 مع مئات المصابين، بينما تحدثت شبكة أطباء السودان عن 13 قتيلا و28 مصابا في تقارير أولية.
ويعود هذا التضارب إلى وعورة المنطقة وصعوبة الوصول إليها، ما يجعل أي رقم نهائي غير مؤكد حتى الآن. كما أن الحادثة ليست الأولى، إذ سبقتها غارات في يونيو 2026 أودت بنحو 23 عاملا.
تتهم منظمات سودانية، منها محامو الطوارئ وتحالف تأسيس بقيادة الدعم السريع، الطيران المصري بتنفيذ الغارات، وتعدها انتهاكا للسيادة السودانية واستهدافا للمدنيين.
وفي المقابل، تنقل تقارير عن مصادر مصرية غير رسمية أن العملية طالت معدنين غير شرعيين يعملون داخل الأراضي المصرية أو بمحاذاتها، بعد تحذيرات متكررة شملت إلقاء منشورات.
وحتى الآن لم يصدر تعليق رسمي من الجيش المصري أو وزارة الخارجية، ولا بيان واضح من السلطات السودانية في الخرطوم. ومن ثم يبقى الاتهام في إطار الادعاء غير المثبت، وينبغي التعامل معه بحذر مهني.
أهمية التعدين الأهلي للذهب
يشكل التعدين الأهلي للذهب في المناطق الحدودية الشمالية مصدر رزق أساسيا لآلاف السودانيين، خصوصا مع استمرار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويهرب جزء كبير من هذا الذهب عبر الحدود فتغدو المنطقة نقطة توتر اقتصادي وأمني.
وترى القاهرة أن بعض هذه الأنشطة غير قانوني ويهدد أمنها الحدودي.
وبذلك تجتمع في الموقع ثلاثة عناصر قابلة للاشتعال ثروة معدنية، وحدود يصعب ضبطها، وحرب أهلية مجاورة.
بين غارات جبل العقيدات وحرب إثيوبيا
يأتي توقيت الحادثة بالتزامن مع اندلاع مواجهات في تيغراي والأمهرة مع الجيش الإثيوبي، وتصعيد حكومة آبي أحمد ضد إريتريا.
ويفتح هذا التزامن الباب أمام قراءة ترى أن مصر تواجه ضغوطا متعددة الاتجاهات في وقت واحد، إذ تتقاطع الحرب السودانية مع توترات القرن الأفريقي.
غير أن التزامن وحده لا يثبت وجود تنسيق أو ارتباط سببي بين هذه الملفات، وإنما يضاعف حساسية الحدث ويزيد قابليته للتوظيف السياسي.
ومن المرجح أن اتساع التوتر في إثيوبيا وإريتريا سيدفع الأطراف المختلفة إلى استثمار أي أزمة جانبية لتحسين مواقعها التفاوضية.
ويتجه الدعم السريع، عبر أجنحته الإعلامية والسياسية، إلى استثمار الحادثة في حملة تصعيد ضد الدولة المصرية وقيادة الجيش السوداني، بدعوى عدم حماية المدنيين.
وتقوم الرواية على هدفين متكاملين تصوير مصر دولة عدائية تجاه الشعب السوداني، وتقديم الجيش السوداني بوصفه تابعا للقاهرة لا يحمي مواطنيه.
ويخدم هذا الخطاب تعبئة الرأي العام السوداني ضد الطرفين، ويعمق الشرخ بين الجيش وقاعدته الشعبية، خصوصا أن الحصيلة المتداولة، مهما كان الرقم الدقيق، تمنح الحملة مادة عاطفية قوية.
كما أن غياب الموقفين الرسمي المصري والسوداني يترك الساحة مفتوحة أمام الرواية الأكثر انتشارا.
اختبار رد الفعل المصري
تشير قراءة أخرى إلى أن الحملة تستهدف جس نبض الجيش المصري على الحدود، لقياس حدود ردوده وسقف صبره.
ويسعى الدعم السريع من خلال الضغط الإعلامي والسياسي إلى دفع القاهرة إلى الحياد في الحرب السودانية، أو على الأقل تقليص دعمها للجيش السوداني.
وتتجلى المعضلة المصرية في أن الرد العلني العنيف قد يمنح الحملة مصداقية، بينما يتيح الصمت الطويل للرواية المعادية أن ترسخ نفسها. ولذلك يبدو التوازن بين الحزم الأمني والشفافية الإعلامية خيارا أصعب لكنه الأقدر على تحييد الحملة.
3 سيناريوهات لغارات جبل العقيدات
يمكن تصور ثلاثة مسارات لغارات العقيدات، الأول احتواء الأزمة، إذا صدرت توضيحات رسمية وجرى التحقق المستقل من الحصيلة، فتتراجع حدة الحملة.
والثاني استمرار الغموض، فتتصاعد الاتهامات وتتكرر الحوادث في منطقة التعدين، ويتسع استغلالها سياسيا.
الثالث تدويل الملف عبر المنظمات الحقوقية والمنابر الدولية، بما يرفع الكلفة السياسية على القاهرة وبورتسودان معا. وتبقى المسارات الثلاثة مرتبطة بتطورات الحرب السودانية والتوتر الإثيوبي الإريتري.
وتقتضي التوصيات الإعلامية الاعتماد على مصادر متعددة، وعرض تباين الحصيلة بوضوح، وعدم الجزم بالمسؤولية قبل صدور بيان رسمي أو تحقيق مستقل، والتمييز بين الوقائع الميدانية والتحليلات السياسية.
أما على المستوى السياسي، فيستحسن أن تعتمد القاهرة خطابا واضحا يوضح مبررات إجراءاتها الحدودية، وأن تنسق مع بورتسودان لتأمين قنوات للتحقق وحماية المدنيين، بما يسحب من الدعم السريع ذريعة الاستثمار في الأزمة.











