موسكو- المنشر_الاخباري
اعتبر كورت فولكر، السفير الأميركي السابق لدى حلف شمال الأطلسي «الناتو»، أن التهديدات النووية الروسية تهدف أساساً إلى ممارسة الضغط النفسي على الدول الغربية، ودفعها إلى التراجع عن دعم أوكرانيا، محذراً من أن استخدام السلاح النووي، حتى على المستوى التكتيكي، قد يترتب عليه ثمن عسكري وبيئي باهظ بالنسبة إلى روسيا نفسها.
وبحسب هذا التقييم، تسعى موسكو من خلال التلويح بالخيار النووي إلى التأثير في حسابات الحكومات الغربية، وزيادة مخاوفها من اتساع الحرب، بما قد يدفع بعض الأطراف إلى الحد من المساعدات العسكرية المقدمة لكييف أو إعادة النظر في طبيعة الدعم المقدم لها.
لكن فولكر يرى أن اللجوء إلى السلاح النووي في ساحة المعركة لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب عسكرية صافية، إذ قد تتعرض القوات الروسية الموجودة بالقرب من موقع الضربة لمخاطر الانفجار والإشعاع والتلوث، فضلاً عن التداعيات التي يمكن أن تطال خطوط الإمداد والمناطق الخاضعة للسيطرة الروسية.
مخاطر تتجاوز ساحة الضربة
ويثير احتمال استخدام سلاح نووي تكتيكي في أوكرانيا مخاوف تتعلق بآثاره المباشرة واللاحقة. فإلى جانب موجة الانفجار والحرارة والإشعاع، يمكن أن يؤدي انتشار المواد المشعة إلى تلويث مناطق واسعة بدرجات متفاوتة، وفق طبيعة السلاح المستخدم وظروف التفجير والطقس والتضاريس.
وقد تتأثر القوات الموجودة في محيط الضربة، بما فيها القوات التابعة للطرف الذي ينفذها، إذا كانت قريبة بما يكفي من موقع الانفجار أو تعرضت للغبار المشع. كما يمكن أن تتعقد عمليات الحركة والإمداد والإخلاء الطبي، وأن تصبح بعض المناطق غير مناسبة للانتشار العسكري أو السكن لفترات متفاوتة.
وأشار التقييم المنسوب إلى فولكر إلى أن القوات الروسية قد لا تكون مهيأة بما يكفي للعمل في بيئة ملوثة إشعاعياً، الأمر الذي قد يفرض عليها تحديات إضافية تتعلق بالحماية والتجهيز والتطهير وإدارة العمليات بعد أي استخدام نووي.
وتظل طبيعة هذه المخاطر مرتبطة بظروف الاستخدام، إذ تختلف الآثار المحتملة باختلاف نوع السلاح وقوته وموقع التفجير، فضلاً عن اتجاه الرياح والظروف الجوية.
هل يمكن أن يصل التلوث إلى الأراضي الروسية؟
ومن بين المخاطر التي يثيرها احتمال استخدام سلاح نووي تكتيكي في أوكرانيا، إمكانية انتقال الغبار المشع إلى مناطق أخرى بفعل الرياح، بما في ذلك مناطق تسيطر عليها روسيا أو أجزاء من الأراضي الروسية، بحسب موقع التفجير والظروف الجوية.
وقد يؤدي انتشار التلوث إلى تعقيد العمليات العسكرية واللوجستية، وإلى مخاطر صحية وبيئية تطال المدنيين والعسكريين. كما يمكن أن يفرض أعباء إضافية على السلطات المسؤولة عن مراقبة الإشعاع وتطهير المناطق المتضررة وتأمين السكان.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم مسبقاً باتجاه انتشار التلوث أو حجمه من دون معرفة نوع السلاح وظروف استخدامه والبيانات الجوية ذات الصلة. لذلك، فإن الحديث عن امتداد التداعيات إلى مناطق روسية يبقى احتمالاً يعتمد على مجموعة من العوامل، وليس نتيجة حتمية لكل استخدام نووي.
الردع النووي بين التهديد واحتمالات التصعيد
ويعيد الجدل بشأن التهديدات الروسية طرح سؤال أساسي حول ما إذا كان التلويح باستخدام السلاح النووي يندرج ضمن استراتيجية الردع والضغط السياسي، أم أنه قد يتحول في ظروف معينة إلى قرار فعلي.
فالتهديد النووي قد يُستخدم لإيصال رسالة إلى الخصوم بشأن حدود التصعيد التي تعتبرها الدولة المهدِّدة مقبولة، كما قد يستهدف التأثير في قرارات الدعم العسكري أو التدخل السياسي. لكن اعتبار التهديد أداة ضغط لا يعني أن احتمال استخدام السلاح يمكن استبعاده بصورة مطلقة.
وفي المقابل، لا يكفي صدور تهديدات متكررة وحده لإثبات أن قرار الاستخدام قد اتُخذ، كما لا يمكن استنتاج أن التهديدات مجرد خدعة من دون تقييم السياق العسكري والسياسي، وطبيعة الإشارات الصادرة عن القيادة الروسية، والتطورات الميدانية.
ويظل استخدام السلاح النووي خطوة ذات تبعات تتجاوز حدود المعركة المباشرة، بسبب المخاطر الإنسانية والبيئية واحتمال اتساع المواجهة الدولية. كما أن الأضرار التي قد تصيب القوات الروسية لا تمثل وحدها العامل الحاسم في حسابات القرار، إذ تتداخل معها اعتبارات الردع والسياسة والأهداف العسكرية وتقدير ردود الفعل الدولية.
وبناءً على ذلك، فإن تقييم مخاطر التصعيد النووي يتطلب التمييز بين الخطاب المستخدم للضغط على الخصوم وبين المؤشرات الفعلية على تغير الاستعدادات العسكرية أو الانتقال نحو الاستخدام. ولا توجد، استناداً إلى التصريحات الواردة وحدها، أدلة كافية للجزم بأن التهديدات الروسية مجرد خدعة، أو بأن استخدامها بات وشيكاً.








