طهران – المنشر_الاخباري
تتحرك روسيا على خط الوساطة بين إيران والولايات المتحدة وسط حسابات سياسية واقتصادية معقدة، تجمع بين السعي إلى احتواء الحرب، والحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع طهران، واستثمار أي انفتاح أميركي لتحقيق مكاسب تتعلق بالعقوبات وموازين القوى الدولية.
وتكتسب زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها فرصة لبحث مسارات دبلوماسية محتملة، في وقت لا تزال فيه قدرة موسكو على دفع الطرفين نحو تسوية موضع خلاف بين المراقبين.
وفي نقاش على قناة «سكاي نيوز عربية»، قدم الخبير في الشؤون الأميركية عقيل عباس والمستشارة السياسية في مركز الدراسات الدولية إيلينا سوبونينا قراءتين مختلفتين للدور الروسي؛ إذ شكك عباس في استعداد موسكو لاستخدام أوراق ضغط حقيقية على إيران، بينما ركزت سوبونينا على أهمية التحرك الدبلوماسي والمقترحات التي يمكن أن تفتح الطريق أمام تفاهم.
العقوبات الأميركية في صلب الحسابات الروسية
يرى عباس أن استمرار المواجهة قد يمنح موسكو مكاسب اقتصادية واستراتيجية، من بينها الاستفادة من بعض التفاهمات الأميركية المتعلقة بالطاقة والعقوبات، إلى جانب انشغال واشنطن بالحرب مع إيران وما قد يترتب عليه من تأثير في أولويات الدعم العسكري الأميركي لأوكرانيا.
ومن هذا المنطلق، يرجح عباس أن تسعى روسيا، إذا قررت الانخراط في وساطة جدية، إلى الحصول على تنازلات أميركية مستدامة بشأن العقوبات، بما يتيح لها تحسين موقعها الاقتصادي والسياسي، بالتوازي مع الدفع نحو إنهاء النزاع.
لكن هذه الحسابات لا تعني أن موسكو قادرة بالضرورة على تحقيق اختراق في الملف الأوكراني، إذ يلفت عباس إلى استعداد الدول الأوروبية لمواصلة دعم كييف، انطلاقًا من اعتبار الحرب مسألة مرتبطة بأمنها القومي.
كما يشير إلى أن نتائج انتخابات الكونغرس الأميركي قد تؤثر في مستقبل الضغوط على روسيا، خصوصًا إذا أدت إلى تغيير موازين القوى السياسية داخل واشنطن.
هل تستطيع موسكو دفع طهران إلى التفاوض؟
لا يرى عباس أن العلاقات الروسية الإيرانية تمنح موسكو قدرة مطلقة على تغيير الموقف الإيراني. ويعتبر أن الانفتاح الأميركي على دور روسي قد يرتبط بالعلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، وباحتمال أن يتمكن الأخير من إقناع طهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات.
لكن عباس يشكك في أن تتحول هذه العلاقة إلى تسوية شاملة، مرجحًا أن يقتصر الدور الروسي على تسهيل الاتصالات وتهيئة الظروف للحوار، من دون ضمان قبول إيران بتنازلات جوهرية.
ويستشهد بالدور الصيني، مشيرًا إلى أن بكين تمتلك، وفق تقديره، نفوذًا أكبر لدى طهران من موسكو، ومع ذلك لم تتمكن من تغيير الموقف الإيراني، وهو ما يعكس صعوبة التأثير في حسابات القيادة الإيرانية خلال الحرب.
في المقابل، ترى سوبونينا أن الدور الروسي لا ينبغي قياسه فقط بمدى قدرته على ممارسة الضغط، بل أيضًا بقدرته على تقديم مقترحات عملية والحفاظ على قنوات التواصل بين الأطراف المتنازعة.
التعاون العسكري.. ورقة ضغط لا تستخدمها موسكو؟
يشكل التعاون العسكري بين روسيا وإيران أحد أبرز الملفات الخلافية في تقييم أدوات الوساطة الروسية.
ويشير عباس إلى استفادة موسكو من تقنيات الطائرات المسيّرة الإيرانية وتطويرها لاستخدامها في الحرب بأوكرانيا، كما يتهم روسيا بتقديم دعم استخباراتي وصور أقمار صناعية تساعد إيران على تنفيذ ضربات دقيقة.
ويرى أن وقف هذا الدعم، إذا ثبت وجوده، قد يشكل ورقة ضغط لدفع طهران نحو تنازلات، لكنه يشكك في استعداد موسكو لاستخدامها، نظرًا إلى أهمية العلاقة الاستراتيجية التي تربط البلدين.
في المقابل، تنفي سوبونينا تقديم روسيا مساعدات عسكرية لإيران خلال الحرب، وتقول إن المساعدات الروسية اقتصرت على الأدوية والمواد الغذائية.
ويكشف هذا التباين عن خلاف بشأن طبيعة الدور الروسي: هل تمتلك موسكو أدوات ضغط قادرة على التأثير في قرارات طهران، أم أنها تفضل تجنب المواجهة مع شريكتها والاعتماد على المسار الدبلوماسي؟
نقل اليورانيوم المخصب.. مقترح لتسهيل التسوية
يبرز الملف النووي الإيراني ضمن أبرز المسارات التي يمكن أن تستخدمها موسكو لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وتطرح سوبونينا نقل اليورانيوم الإيراني المخصب إلى روسيا بوصفه أحد المقترحات التي تستحق الدراسة، باعتباره مدخلًا محتملًا للتفاهم بشأن المخزون النووي الإيراني.
لكن نجاح هذا الخيار يتطلب موافقة الطرفين على ترتيبات واضحة تتعلق بنقل المواد النووية والرقابة عليها، فضلًا عن الضمانات التي قد يتضمنها أي اتفاق أوسع.
وتشير سوبونينا أيضًا إلى أن اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين روسيا وإيران لا تلزم أيًا من الطرفين بتقديم مساعدة عسكرية إذا تعرض الآخر لهجوم أجنبي، ما يضع حدودًا للتوقعات المتعلقة بالدعم الروسي لطهران في أوقات الحرب.
ومع ذلك، تستبعد سوبونينا أن تتخلى موسكو عن تعاونها الاقتصادي والتجاري مع إيران، مؤكدة أن روسيا لن تتخلى بسهولة عن علاقاتها الاستراتيجية معها في سبيل التقارب مع واشنطن.
العلاقات الخليجية جزء من المعادلة
لا تقتصر الحسابات الروسية على العلاقة مع إيران والولايات المتحدة، بل تشمل أيضًا الحفاظ على العلاقات مع الدول العربية والخليجية.
وتربط سوبونينا التحرك الروسي باجتماع لافروف مع ممثلي مجلس التعاون الخليجي قبل زيارته إلى طهران، مشيرة إلى أن موسكو تسعى إلى الإبقاء على قنوات التواصل مع الجانبين، رغم التباين في مواقفهما من الحرب.
وتواجه روسيا بذلك تحديًا يتمثل في الحفاظ على شراكتها مع إيران، من دون الإضرار بعلاقاتها مع الدول الخليجية التي تتأثر مباشرة بتداعيات التصعيد الإقليمي.
وساطة بين المصالح والضغوط
بينما يرى عباس أن موسكو قد تسعى إلى توظيف الوساطة للحصول على مكاسب أميركية، خصوصًا في ملف العقوبات، تتمسك سوبونينا بإمكانية تحقيق تقدم عبر الدبلوماسية والمقترحات المتعلقة بالملف النووي.
لكن نجاح الوساطة لا يتوقف على رغبة روسيا وحدها؛ إذ يتطلب استعداد واشنطن وطهران للتوصل إلى تفاهم بشأن شروط إنهاء الحرب، والبرنامج النووي، والضمانات الأمنية، ومستقبل العلاقات الإقليمية.
وفي ظل تشابك المصالح، تبدو موسكو أمام معادلة دقيقة: كيف تدفع نحو تسوية لا تفقدها شراكتها مع طهران، ولا تحرمها في الوقت نفسه من فرص التفاهم مع واشنطن؟ والإجابة ستتوقف على ما إذا كانت روسيا مستعدة لتحمل كلفة استخدام نفوذها، أم ستكتفي بدور الوسيط الذي يطرح الخيارات من دون ضمان تنفيذها.










