تثير قضية القاعدة الأمريكية المحتملة في جزيرتي تيران وصنافير الكثير من الجدل والتساؤلات، لا سيما مع تصاعد الحديث عن الدور الأمني الأمريكي في البحر الأحمر وارتباطه الوثيق بالمصالح الجيوسياسية في المنطقة.
ومع أن السلطات المصرية تنفي مرارًا وتكرارًا وجود أي اتفاق يسمح بتمركز قوات أمريكية على الجزيرتين، إلا أن مؤشرات عدة، إقليمية ودولية، تغذي الشكوك وتفتح الباب أمام احتمالات متغيرة ترتبط بالتحولات الجارية في المشهد الاستراتيجي الإقليمي.
تقع جزيرتا تيران وصنافير في موقع استراتيجي عند مدخل مضيق تيران، الذي يفصل خليج العقبة عن البحر الأحمر، ويمنح من يسيطر عليه قدرة على التأثير في حركة الملاحة إلى موانئ الأردن وإسرائيل، وفي مقدمتها إيلات.
في عام 2016، وقّعت مصر والسعودية اتفاقية لترسيم الحدود البحرية، تضمنت نقل السيادة على الجزيرتين إلى السعودية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الداخل المصري، لكن ما زال الجانب الأمني في هذا الملف يثير اهتمام دوائر عدة.
بالرغم من تسليم السيادة، فإن الترتيبات الأمنية في تيران وصنافير ظلت خاضعة لتعقيدات اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، والتي تتضمن بنوداً تفرض قيوداً على الوجود العسكري في المنطقة، وتسمح بوجود مراقبين دوليين.
هذه النقطة تحديدًا تُستخدم من قبل البعض لتبرير الأحاديث المتكررة عن تواجد أمريكي، ولو غير مباشر، عبر القوات متعددة الجنسيات التي تعمل على مراقبة تطبيق الاتفاقية في المنطقة، والتي تموّلها وتديرها الولايات المتحدة بشكل رئيسي.
ظهور تقارير إعلامية بين الحين والآخر يتحدث عن نية أمريكية لإنشاء قاعدة مراقبة أو تواجد لوجستي على الجزيرتين، زاد من التوجس الشعبي والإعلامي.
خاصةً في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر خلال العامين الماضيين، بعد تصاعد عمليات الحوثيين ضد الملاحة الدولية، ووجود تحالفات بحرية تقودها واشنطن لحماية خطوط التجارة العالمية. تيران وصنافير، بهذا المعنى، تبدوان نقطة مثالية لإقامة مركز مراقبة بحري دائم أو قاعدة دعم لوجستي تخدم هذا الهدف.
السلطات المصرية نفت مرارًا وجود قاعدة أمريكية في تيران وصنافير، وأكدت أن أمن الجزيرتين يقع ضمن مسؤولية القوات متعددة الجنسيات، التي لا يُسمح لها بإنشاء بنى تحتية عسكرية دائمة، وأن أي تغيير في الوضع الأمني يتطلب موافقة الأطراف الموقعة على اتفاقيات السلام، وعلى رأسها إسرائيل.
لكن في السياسة لا يُبنى الواقع على التصريحات فقط، بل على التحركات الفعلية وموازين القوى، وهو ما يجعل الجدل مستمرًا.
إمكانية إنشاء قاعدة أمريكية في تيران وصنافير تعني إعادة تشكيل معادلات النفوذ في البحر الأحمر، وستؤثر على علاقات مصر بجيرانها مثل إيران وتركيا، وربما حتى على التوازن الأمني في شبه الجزيرة العربية.
وجود دائم للولايات المتحدة في تلك المنطقة الحساسة سيعد بمثابة تعزيز للهيمنة الأمريكية على طرق التجارة العالمية وخطوط نقل الطاقة، ما قد يثير تحفظات حتى لدى حلفاء واشنطن أنفسهم في المنطقة.
حتى الآن، لا توجد أدلة ملموسة تؤكد إقامة قاعدة أمريكية عسكرية في تيران وصنافير، لكن استمرار التوترات الإقليمية، وحرص الولايات المتحدة على تثبيت أقدامها في مناطق السيطرة المائية، يعني أن هذا الملف سيظل مفتوحاً للنقاش والمراقبة.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستبقى القاهرة على موقفها الرافض لأي وجود عسكري أجنبي على أرضها، أم أن المعادلات الجيوسياسية قد تفرض مستقبلاً واقعًا مختلفًا؟










